حوار: ملتقى آراء وأصداء مع المترجم عدنان الحاجي
تحتل الترجمة مكانة بارزة في حياة الشعوب المتقدمة. حيث ساهمت بالدفع نحو إنسانية المجتمع، وارتقاء الفكر الإنساني. فبفضل ترجمة الكتب، تولدت النزعة الإنسانية في أوروبا، ومنها انبثقت الحداثة والتنوير. وفي العصر الراهن لم تقتصر الترجمة على المقالات والكتب فقط، بل انطلقت في ترجمة المحتوى الرقمي، من أفلام وثائقية، ومحضرات علمية وغيرها. حيث بلغ عدد المشاهدات على موقع TED مثلا بالملايين من العرب، الذين يفتقرون إلى مثل هذا المحتوى. فقد قدم الموقع الكثير من التجارب الإنسانية، في العلوم الطبيعية والإنسانية، بل وساهم في وصول المعلومة الأكاديمية بشكل سلس ومبسط. لذا نجد الكثيرين من الشباب العربي مهتم بترجمة أغلب ما يطرح على هذا الموقع، أكثر من ترجمة المنشورات والمقالات الأدبية.
أتاح " ملتقى آراء وأصداء" الالكتروني على برنامج " واتس اب" لأعضائه فرصة التعرف على الباحث والمترجم الأحسائي العصامي عدنان الحاجي للتعرف على تجربته في الترجمة وما يكتنفها من مفاهيم وصعوبات وهموم.. فإليكم اللقاء عبر التساؤلات والإجابات التالية .. وقبل ذلك شكر خاص لكل من ناصر الحسن، أفنان المهدي، لمشاركتهما في الإعداد والأسئلة، وشكر لأعضاء الإدارة، وشكر عام لكل الأعضاء.
· برأيك لماذا هذا الإقبال على مشاهدة المحتوى الرقمي المترجم من الفيديوهات أكثر من المقالات والدراسات المكتوبة؟
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وشكراً لاستضافتي وعلى هذه المقدمة الرائعة، كما بودّي أن أقول كلمة تنصل هنا قبل أن أبدأ بالإجابة عن أسئلتكم.
اولاً أنا مترجم هاو، وليس بمعنى هواية في الترجمة نفسها لكن مجبراً أخاك لا بطل، إذ عندما رأيت المشاركات الغير مفيدة في أكثرها التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي وبما ان خلفيتي كانت في مركز ابحاث ورأيت ان هناك علوماً جمة عند الطرف الاخر يمكن ان تعطي قيمة إضافية للقارئ قررت ان أخوض هذا البحر المتلاطم يجدوني الأمل ان اكون نافعاً أينما كنت على الرغم من ان لغتي تقنية بحتة وتعليمي بالعربي لم يتعدا الثالث متوسط وهو ما علمت من حيث المستوى اللغوي لذلك اعتذر عن اي ركاكة في الترجمة مقدماً.
اما السؤال الأول عن الإقلال على مشاهدة المحتوى الرقمي المترجم بالفيديوهات أكثر من المقالات المكتوبة.
اقول إن المعروف أن " صورة واحدة افضل من الف كلمة" فما بالك اذا كانت الصورة متحركة وناطقة حاوية على لغة جسد وما لها كما علمت من تأثير مضاف وفعال في توصيل المعنى . بالإضافة الى الإخراج الدقيق والفائق للمحاضرة والاختيار المعتدى به للمحاضر الذي عادة يكون من المرموقين في مجالهم ولا ننسى تأثير بلاغة التعبير والتقديم المهني الفعال والوقت القصير للمحاضرة.
ولا ننسى ان هناك اضفاء لبعض سرديات المغالطاتfallacies والتي منها ان الناس تعتمد المرجعية والاحتكام الى مسمى الخبرة والتي تعرف Argument from authority وقد يكون لتأثير الهالة دور.
- ما مدى تطابق دقة المعنى في اللغتين، حيث أن هناك اختلاف في الثقافات والأنماط السلوكية في المجتمعات، وكما يقال أن "الترجمة خيانة للنص الأصلي"؟
السؤال الثاني قد يكون صعباً في الاجابة عليه بدقة وذلك
يعتمد على:
١- مترجم النص وإلمامه بلغة الاصل واللغة المترجم اليها
٢- المام المترجم بلغة التخصص
٣- مدى قرب واتصال المترجم من وب المؤلف لو احتار في بيان معنى اراده المؤلف حيث ان بعض الكتاب قد يستخدم مجازاً ليعني به شيئاً اخر او قد يكون هناك مترادفات متباينة للكلمة نفسها وهي كثيرة وعلى سبيل المثال لا الحصر كلمة state
• ما هو المردود المعنوي عليك من هذه الترجمة للمقالات؟
قد يكون ذلك إيجابياً في المجمل سيما اذا كان يراد من النصوص كذلك.
بالأمس كانت الاخت أفنان تحدثنا عن الكتاب الذي قرأته عن التشيع في الخليج فلو أراد مترجم ان ينقل هذا النص الى لغة اخرى فلك ان تتصور ما ذا سيكون ذلك : بناءاً او هداماً؟
- هل يمكن للترجمة أن تحطم الصور النمطية لدى الشعوب؟
ولكن الاستمرارية في هذا الجهد وهو جهد ليس فقط علي شخصياً بل على ما يتعلق بي من جهة عائلية اذ هو على حساب وقتهم
كما دائماً ما ينتاب الشخص من الشعور بالرفض او عدم الاعتناء من قبل القرّاء وهو أشد انواع الجهد النفسي على الشخص
ما أريده هو نقل العلوم من الجهة الاخرى ليستفيد بها الناس وارجو ان اكون مساهما في نشر المعرفة لديهم ولو بالقليل وأخيراً اشعر ان هذا تكليف اسأل الله ان يتقبله منا وان يساعدنا عليه.
- منذ متى وأنت تمارس هذا العمل؟!
منذ ٢٠١١
- لاحظت أنت المقالات المترجمة التي تضعها هنا، يغلب عليها البحث العلمي التجريبي، ما جربت تترجم مقالات سياسية مثلاً أو تربوية أو غيرها من التخصصات؟!
السياسية مبتعد عنها كلياً وحتى اذا وردت كلمة هنا او هناك احاول ابتعد عنها بشكل وآخر
هناك بعض المقالات التربوية خاصة في تربية الاطفال وما يتعلق بها. طبيعة ترجماتي متعلقة بالأبحاث العلمية.
وهذه جاءت في هَبّة الابتعاث الذي جرى في ذلك الحين والغرض منه كان لتعريف الطلاب المبتعثين على الابحاث الموجودة والباحثين ومراكزهم.
بالإضافة إلى أنها كانت مهنتي كباحث وأنا على رأس العمل.
- المقالة الواحدة كم تأخذ منك من الوقت في الترجمة بشكل تقريبي؟
مقدار الوقت الذي اقضيه يعتمد على طول البحث وسهولة الكلمات والمصطلحات المستخدمة ومدى تقنيتها لكن أطولها لا يتعدى اليوم.
من خلال جوابك للسؤال الرابع، وهو شعورك بالرفض أو عدم الاعتناء من قبل القرّاء، هذا لا يتركك تتراجع؟! أم تعتبره محفزا للتحدي والإصرار؟!
هو لولا الإصرار والتحدي منذ كنت طفلاً لما حتى اكملت تعليمي.
ألا تفكر بخوض التجربة بالعكس؟! أي، تترجم مقالات عربية للغة الانجليزية؟!
يبدو لي أن اللغة المعتمِدة علمياً هي الانجليزية، ولذلك لو قارنت البحوث العلمية المنشورة باللغة العربية إلى الانجليزية لا تجدها شيئاً.
هل لديك خطة ممنهجة في الترجمة؟! بمعنى، أن لديك قائمة أسبوعية - على سبيل المثال - لتنجزها؟! أم أن ما تسقط عليه عينك تترجمه؟!
نعم عندي مواضيع مسبقة، لكن نشرها بعد ترجمتها يعتمد على قيمتها المُضافة او سخونتها او تعلقها بموضوع يجري نقاشها في إحدى المجموعات.
هل تفكر في جمع هذه المقالات وطبعها في كتاب؟ ومتى؟
أحد ابناء العم يعمل على ذلك.اما السؤال الاخير فصعب الاجابة عليه اذ دائماً ما اخجل أن اسأل ابن العم عن مدى التقدم في لملمة المواضيع في كتاب.
-هل لديك تفكير في ترجمة كتاب من الكتب العلمية؟!
حالياً لا أفكر في ترجمة كتاب اذ المواد العلمية الجديدة كثيرة جداً ومتابعتها تأخذ كل وقتي وانا لا اهوى الا الجديد عادة.
-هل تشجع أن يتوجه من لديه إلمام باللغة للترجمة كمشروع ناهض حضاري؟!
أؤيده بالتأكيد، وهناك أكثر من جهة ومن أشهرها السعودي العلمي يقوم بذلك.
وماهي الصعوبات التي قد تواجه هكذا مشروع من وجهة نظرك؟!
احد الصعوبات هي حَرْفِيَّة الترجمة وقلة التشجيع ومن بينها القرّاء الا من القليل وعدم وجود تغذية استرجاعية تعطي المترجم شعوراً بمدى اهمية وصحة وكفاءة ما يقوم به وقلة المباحثة في المواد المترجمة التي من شأنها ان ترسخ الموضوع عند المترجم والقارئ. وعلى راس ذلك الخوف من عدم القبول. على سبيل المثال لا الحصر.
كم يترواح متوسط المشاهدات في المدونة للمقالات اللتي تقوم بترجمتها تقريباً..؟
الجوب قد يكون محيراً فهناك بعض المجموعات اضع فيها الموضوع المترجم كاملاً ولا ادري اذ ايصير لهcirculation / forwardingوهناك لي حساب على التليغرام وفيه ٤٠٠ عضو وهناك الفيس بوك والمدونة
عادة مواضيع المدونة تبلغ في المتوسط يمكن ٦٠ ( للأسف لم احسب المتوسط بالدقة ) لكنها قد ترتفع وقد تنزل استناداً إلى كون هو موضوعها مثيراً، وليس كم هو علمي ومفيد للأسف، وهذا ما يقتلني.
ما هي المواقع التي تعتمد عليها فعلياً في اقتباس المقالات وترجمتها..؟
أما مصادر المواضيع فاني اضع وصلاتها في نهاية المقال وهايبر بينك على العنوان الانجليزي في المدونة وهي عديدة لكنها من مواقع الجامعات والمراكز البحثية والهيئات العلمية
الأستاذ أبا طه الحاجي، لاشكأان عطاءك في حقل الترجمة إضافه مهمة إلى المشروع النهضوي العربي، ولا يخفى عليك ان مشاريع الترجمة تحتاج الى عمل وجهد مؤسساتي، وبالأمس القريب دشن حاكم دبي محمد بن راشد مبادرة رائدة في حقل الترجمة، وفتح المجال لجميع المهتمين على مستوى الوطن العربي. ألا ترون أن عملك من خلال هذا المؤسسة أو غيرها يحقق نتائج افضل سواء على المستوى المهني أو الشخصي؟
العمل المؤسساتي له فائد لكن عليه مآخذ بحسب ما رأيت،
فوائده كثيرة ويكفي منه أنه أوسع انتشاراً، وربما حجم عطائه لا يقارن بالعمل الفردي، لكن من أهم نواقصهshortcomings أنه عمل بطيء ويتضمن البيروقراطية وهذا لا ينفع كثيراً مع عدد الأبحاث العلمية التي تنشر بالمئات as we speak كما يقولون وهذه يراد لها مواكبة سريعة.
ومن جهة أخرى يلاحظ من يقرأ لهذه المؤسسات عدم اعتنائها بالترجمات الدقيقة والكثير منها يأخذ الترجمات الآلية كما هي من غير تحقيق في المراد الدقيق منها وكما أن بعضها لا يعتني بقواعد اللغة - النحو- ولا أريد ان أسميها هنا، وليس هذا انحيازاً لما اقوم به إذ يمكن أن أقع في نفس المشاكل والأغلاط.
لكن ما أستطيع ان أقول بملء الفم ونظراً لعملي الفردي أنني ضمن المواكبين الحثيثين لما ينشر في وقته سيما للمواضيع التي فيها لمسة ظاهرة لما يحتاجه المجتمع وذات القيمة المُضافة بحسب نظري الشخصي على الأقل.
أستاذنا العزيز هل يوجد عندك دورات لتعليم الترجمه ومن خلالها تضمن ان تكون هناك مجموعه من المترجمين وبالتالي تتعدد المقالات؟
لا للأسف. الترجمة هي علم وفن ولابد ان تجيد الاثنين حتى تكون مترجماً ماهراً حتى يكون عندك الملكة التي يمكن أن تنقلها الى الغير. الترجمة تخصص يدرس في الجامعات
أما أنا متطفل، ومتطفل غير جيد، إذ لا املك من طرقها المستنيرة بالعلم والتي يقال لها knowledges - based or scientific - based
وإنما رأيت أجيد اللغة فخضت عباب هذا البحر المتلاطم وأدعو الله ان أكون من الموفقين فيه متسلحاً بمضمون ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: إذا هبت شيئاً فقع فيه، وكذلك بالرواية التي تقول: من تردد في شيء أعطي حكمته،
أتمنى من ترددي أن أعطى جزءاً من الحكمة فيه.
هل هناك من اهتم بأن يتعلم منك الترجمة أو تواصل معك من أجل ترجماتك، هل خلقت لك الترجمة علاقات بشرائح اجتماعية جديدة؟ ومن هم أكثر الناس أو الشرائح اهتماما بما تترجم؟
لم يتصل بي احد لتعلم الترجمة. أكثر الناس اهتماماً بعض اعضاء نادي القرّاء كما أظن كما أن هناك شريحة من المجتمع كثر يقولون لي أنهم مهتمون.
يقيناً الترجمة خلقت لي شبكة كبيرة من الأحباب ربما صادفوني في غير مكان وقالوا اي انهم مهتمون بالمواضيع المترجمة.
أعتقد ان كل علم لديه مصطلحاته العلمية الخاصة به والتي قد تصعب من عملية الترجمة على غير المتخصصين الذين يسعون لتكون ترجمتهم صحيحة ومقبولة، فهل واجهتك هذه المشكلة وكيف تسعى لحلها؟
تواجهني المشكلة تقريبا في أغلب المواضيع، والطريقة هي الرجوع والاطلاع على تعريفها من اللغة الأم غالبا اذا لم يكن المصطلح متداول في اللغة، وعادة ما اضع التعريف بين قوسين موسماً اياه كتعريف من خارج النص، أو أضعه كfootnote أو أضعه كمقدمة كما فعلت في المقال قبل الأخير رقم ٤٢٩ لسنة ٢٠١٧حيث وضعت تعريف نظرية تخفيض الدافع كمقدمة.
هل سبق وأن استضافك أحد المنتديات أو المقاهي أو المراكز أو كل من يهمه الحراك الثقافي والفكري النوعي غير قروبنا؟
أنا عضو في أكثر من مجموعة واتسبية، ومن أشهرها منتدى القرّاء، واستضافني مجلس العائلة في جلسة حوارية، وحاورني عدد من الإخوة من لجنة التواصل الاجتماعي، وأراد استضافتي إخوان مثقفون من القارة وعلى رأسهم اخونا الدكتور احمد اللويم لكن لم تكلل الخطوة بالنجاح.
وها نحن نقوم بتكليفنا بحدود وسعنا.
الإعلام بشتى مظاهره وصوره، له دور كبير جداً في إيصال الفكرة والمشروع، هل أنت مهتم بهذا الجانب - أعني الحرص على خلق فرص لتخرج لفضاء أوسع - وعدم الاقتصار على وسائل التواصل فقط من أجل ايصال فكرة مشروعك وإن كان كهواية ليصل لشرائح أكبر؟
انا اقوم بتكليفي فيما وسعني فعله ولا تحتاج لعمل اي هالة اذ العمل من شأنه ان يتكلم عن نفسه وهذا ما اعتقد به حتى لما كنت على راس عملي في الشركة
ولم ولن ابحث عن الاضواء، واعتفد بالقول المأثور عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : إذا أقبلت منحتك محاسن غيرك وإذا أدبرت سلبتك محاسن نفسك.
في بعض الأحيان العمل في نطاق ما يسمونه ب low profile قد يكون أفضل في تربية الذات، أسأل الله القبول وأن يكون العمل قربة له سبحانه.
أما بخصوص وصول هذه العناوين الى شريحة كبيرة من الناس فهو غاية المنى وذلك من أجل أن تكون الفائدة اكبر- زكاة العلم نشره.
لكني مبتلى بالحياء - وكما أُثِرَ عن مولى الموحدين عليه السلام " قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ، *وَالْحَيَاءُ بالحرمان* "
علم الترجمة واسع،واعتقد هناك انواع مختلفة من الترجمة، الكتابية، الشفوية، المنظورة، التتبعية، الخ، إذا تفضلت التوضيح، دامت جهودك الطيبة.
حياك الله استاذ، اقوم فقط بالترجمة الكتابية النصية.
