سھام البوشاجع - 12 ینایر 2022 *المھندس الصالح:
التیك توك والسناب شات تتحكم في الأبناء والآباء.
الاضطھاد الاجتماعي یقلص فرص احتضان الابن من قبل ذویھ.
من الواجبات الأخلاقیة على الأسر متابعة أصدقاء أبنائھم، ومرافقتھم في أنشطتھم المحببة.
*****
قدیماً عندما یدخل الأب إلى المنزل، یسكت الجمیع ویقفون احتراماً وھیبة لھ، وفي مرحلة لاحقة یقدم الأبناء قبلات الاحترام ثم یتسللون إلى غرفھم.
والیوم، دخل الأب والأم أو خرجا أو غابا فالجمیع عاكفٌ على جھازه!!
صورةٌ تؤكدُ وجود فجوة في الحوار والتواصل، یُخشَى من اتساعھا في ظل الغرق في وسائل التواصل الاجتماعي، والانغماس في أغوار العالم الذي تحول إلى قریة صغیرة في مقابل ھجرتنا عن الأقربین.
بھذه المقدمة افتتحت الأستاذة منال الخلیفة ( معلمة ومربیة وقائدة مدرسة ) اللقاء الذي نظمھ ملتقى "آراء وأصداء" في محاولة لردم ھذه الفجوة بین الأجیال، وكان ضیف اللقاء الكاتب: أمیر الصالح الذي كتب مقالات كثیرة عالج خلالھا قضایا اجتماعیة وسلوكیة عدیدة.
أدارت دفة الحوار الأستاذة سھام البو شاجع، واقفة على العدید من القضایا الاجتماعیة والتربویة، وسائل التواصل الاجتماعي وتأثیراتھا السلبیة والإیجابیة. كما في الحوار التالي:
الحالمون، والكادحون
ما طبیعة الحوار بین جیلي الآباء (الكادحین) والأبناء (الحالمین)، كما أطلقت علیھم في إحدى مقالاتك، في ظل الانفتاح والعولمة وتخطي حدود بعض العادات السابقة التي كان یمارسھا الآباء. وما ردود أفعال الأبناء حالیاً تجاھھا؟
- مع عالم الانفتاح وتسارع الطفرات ومعرفة الشباب لأیدولوجیات جدیدة ووسائل التواصل الحدیثة تولدت لدیھم مفاھیم جدیدة داخل المجتمع الواحد، وكلھا تصب في كیفیة اكتساب حقوقھم، وللأسف لم تركز على واجباتھم ومسؤولیاتھم، وھذا ما جعل عدداً كبیراً یعیش حالة انفصال عن الواقع، وانغماسھم في عالم الأحلام كعالم ھولیوود أو بولیوود وعالم الإنیمیشن، مما أوجد صدمة حضاریة جعلت من وسائل التواصل مثل التیك توك والسناب شات وغیرھا تتحكم في الأبناء والآباء.
أمام ھذه الصدمة الحضاریة ھناك خمسة خیارات أمام الأسر، تسلك أیھا ترتضیھ:
الخیار الأول: الاستغراق الطویل لاستیعاب الصدمة الحضاریة. الخیار الثاني: الانعزال والانھزام عن مسرح الحیاة.
الخیار الثالث: التصادم مع أبناء الجیل الجدید. ووصم كل التقنیات الحدیثة بالفتنة.
الخیار الرابع: الانقلاب والانخراط بشكل مفرط في العوالم الجدیدة بغثھا وسمینھا.
الخیار الخامس: الاستیعاب للواقع وھضمھ بعقلائیة، والتفاعل معھ بالتأثیر فیھ والتأثر بھ بناء على الاختیارات النافعة.
ھل تعتقد بأن الخیار الخامس موجود فعلاً الآن؟ وكم نسبة وجوده بین المجتمعات؟
- ھو موجود ونسمع عن قصص ناجحة لأسر كثیرة ولیس لدینا إحصاءات دقیقة لھا، في معظم الدول لدیھم عناصر وقصص النجاح ویغرسونھا في أبنائھم للوصول إلى النجاح، وھذا وجدناه في المجتمعات التي تغربت عن بلدانھا كالجالیات الھندیة أو المصریة لدیھا نسب نجاح أكثر مما لو كانت في بلدانھا الأصلیة. ومن ھنا یجب التركیز على ھذا الجانب لمعرفة ممیزاتھ الكثیرة.
السوشیال میدیا وجیل الأبناء
ينغمس الأبناء في وسائل التواصل الاجتماعیة المتعددة، ویتنقلون بینھا، فھل خلقت ھذه الوسائل جیلاً غامضاً في تصرفاتھ وردود أفعالھ حول ما یدور في مجتمعاتھ؟ وھل أثرت مشاھیر السوشیال میدیا على طریقة تفكیر النشء ومدى تقبلھ لقیم المجتمع ونبذھا بزعم الحریة؟
- حتما خلقت جیلاً منفصلاً عن الواقع، بل ووصل بعضھا إلى أن یكون جیلاً غبیاً كبعض الذین یطلون علینا في برنامج "التیك توك" بحركاتھم ومقاطعھم الساذجة، وھناك لقاءات صحافیة لكثیر من علماء النفس تحدثت عن ھذا الموضوع. فالواعون من الآباء ھم الذین یستغلون مثل ھذه البرامج
أو التطبیقات بذكاء في توجیھ الأبناء نحو الإیجابیات ولیس السلبیات. وأنصحكم برؤیة فیلم وثائقي بعنوان: The Social Dilemma
انفلات الشباب إلى الخارج
ماذا عن انفلات الشباب ولجوئھم للخارج ھرباً من المجتمع والأسرة العربیة نحو الحریة؟
- ھذا محور كبیر ولھ الكثیر من الحكایات والقصص، قد یكون من بینھا الاضطھاد الاجتماعي الذي یقلص الفرص في احتضان الابن من قبل ذویھ، وقد یكون فعلیاً لیس بمضطھد بالرغم من وجود ذلك في مجتمعات أخرى، ولكن في مجتمعاتنا ربما یتذرع الشباب بھذه الذریعة للخروج فقط إلى الخارج والھروب من المجتمعات ربما رغبة فقط للخروج إلیھا، والحدیث
في ھذا الأمر شائك لھ مختصوه الذین لھم مؤلفات كثیرة حولھ.
الأب ثم الأب ثم الأب
في بیوتنا الآباء مشغولون بالعمل، وربما الأم مشغولة بحیاة اجتماعیة "عملیة" أو "نسویة"، فیقصرون تجاه الآبناء، وربما ھذا الانشغال یطول جداً، في حین ینشغل الأبناء بمثل تلك القدوة التي لا تمثل بالمجتمع شیئاً.
- الأب الحریص ھو الذي یستفسر عن عالم أبنائھ الافتراضي، ولا یتركھم بین التقنیة وعالم "سیري" الذي یجیب لھم عن أي تساؤل یطرحونھ، والأب الناضج ھو من یستشعر الحوار بینھ وبین أبنائھ، وھناك أبواب كثیرة كاحتضانھ بین الحین والآخر مما یجعل الابن یحب العودة إلى ذلك الحضن، كذلك تفعیل المناسبات الاجتماعیة والدینیة وغیرھا من الأنشطة الترفیھیة الأخرى، فتكون أرضیة خصبة لجذب الأبناء، والمتابعة المكثفة والتخلي قلیلاً عن عالمھ لأجل أبنائھ وأسرتھ.
كذلك الأم یجب علیھا أن تتفرغ قلیلاً لاحتواء أسرتھا بالكامل. والتوازن مطلوب بین الاحتواء النفسي والفعلي لھم.
ومن الواجبات الأخلاقیة على الأسر متابعة أصدقاء أبنائھم، ومرافقتھم في كثیر من أنشطتھم المحببة كالذھاب إلى السینما أو المخیمات والرحلات الصیفیة وغیرھا لخلق جسور تواصل متینة بینھم.
القوانین المنزلیة
كیف یمكن لأبناء ھذا العصر المعروفین بالمزاجیة، والأكثر تعبیراً وحریة واستقلالیة بذواتھم أن یتقبلوا فكرة قوانین في المنزل الذي یعیشون فیھ؟
- أدوات العمل في كل مكان، ولا سیما الشركات. ولا بد من فرض القوانین لتكون إلزامیة في تسییر العمل بطریقة سلسلة وإیجابیة، حتى المنازل یجب مناقشة من فیھا على مستویات المعیشة من تكالیف ومصاریف مالیة للماء والكھرباء والأكل وغیرھا، ھذه المناقشات تصدر قرارات وقوانین یلتزم بھا الجمیع عن رضا وتشاور، ولیس أفضل من شھر رمضان الكریم في إرساء مثل ھذه القوانین كإعطاء كل وقت حقھ من عبادة وتنظیف وتنظیم حصص ثقافیة وغیرھا، كذلك توزیع الأدوار في طرق المعیشة كلھا تخلق جواً من القوانین المطلوبة والتي یجب أن یعتادھا الأبناء
لیحل النظام في حیاتھم وتتزن.
أبناؤنا وكھف الصمت
یدخل أبناؤنا في "حالة الصمت الكبیر" بمكوثھم الطویل أمام شاشات البلاي ستیشن وغیرھا من ألعاب إلكترونیة، ھل تخلق مثل ھذه الأجواء انفصالاً حواریاً بین الآباء والأبناء، وبینھم وبین أقرانھم في المجتمع خارج المنزل أو في المدرسة؟
- یؤرق ھذا الموضوع بعض المجتمعات الحضاریة في كل أرجاء العالم.
طرح البروفسور "إیثان مولك" من جامعة بنسلفانیا دراسة كاملة حول ھذا الموضوع وتطرقتُ في إحدى مقالاتي عن ظاھرة استحواذ الألعاب الإلكترونیة على الأطفال، ولا سیما لعبة "فورت نایت" التي تنمي ظاھرة العنف وتقبل الموت ببرود للأسف، ففي العام المنصرم فقط صرف ما یقابل 3 تریلیون و200 ملیار ساعة خلال شھر كوقت على ھذه اللعبة وھذا ما یعادل 450 مرة إنشاء وحدة سكنیة أو أكثر، ومن الطبیعي كلما كبر الابن یرید ساعات أطول لقضائھا أمام الألعاب الإلكترونیة. ولكن لابد من فرض ساعات معینة عند استخدام ھذه الألعاب كقوانین منزلیة، ویجب على الأبناء الموافقة بالتراضي على ھذه الشروط، وإلا سوف یلعبھا بعیداً عنك وبشروطھ ھو وأصدقائھ. وھناك الكثیر من الألعاب التي تنمي روح المھنیة أو الموھبة لدى الأبناء وتحاكي میولھم كالألعاب التي تھتم بتطویر المھن " كالجراحة والطب والبناء الثلاثي الأبعاد وغیرھا، وھي ألعاب وفي الوقت نفسھ تنمي مھارات خاصة لدیھم.
كورونا المنزلق الآمن
خلفت جائحة كورونا أزمات نفسیة واجتماعیة، وقصص اكتئاب خصوصاً بین الأبناء وقد لوحظ ھذا الأمر جلیا عند العودة المشروطة والمؤقتة إلى المدارس بین الأبناء الطلبة، فكیف یتجاوز الأبناء تبعات ھذه الأزمة؟ وما ھي النصائح التي تقدمھا لھم؟
- كورونا وقفة تصحیح في عالم السلوك، وبنظرة إیجابیة مع كل تبعات كورونا ولا سیما المالیة والاقتصادیة، إلا أن ھناك فرصة إیجابیة كبیرة لمراجعة الآباء والأبناء لوتیرة حیاتھم الیومیة، وفي معالجة علاقاتھم، والبدء في سؤالھم عن طموحاتھم وخططھم المستقبلیة وعن أصدقائھم. وقد كنت شخصیاً في بدایة الجائحة تائھا، إلا أنني عرفت كیف أرتب ھذه الظروف في تسخیر طاقات أبنائي ومواھبھم.
ذكرتم أنھ لا توجد إحصائیة للنمط الخامس، إذن كیف نعرف تأثیره التوعوي على المجتمع؟
- النمط الخامس كخیار ھو الأجدى، لأن الأسرة مبنیة على المحبة لا على الصراع. ولیس لدینا إحصاءات في ھذا الأمر، ولكنھ أمر ملموس وواضح، وھو ذو نتائج طیبة. نرى بعض الأبناء كوادر في كثیر من المجتمعات الطیبة الناجحة، ووقفنا على أسر كثیرة رأینا علاقتھم الطیبة بینھم وبین أبنائھم ومدى النجاحات التي حققت في مجتمعاتھم.
بین الھدف والغایة
-هل نحن بحاجة إلى إعادة صیاغة بعض مفاھیم التربیة مثل بر الوالدین والاحترام وطبیعة العلاقة داخل الأسرة الواحدة بین الزوج والزوجة وبین الأبناء ومفھوم السلطة الأبویة كذلك؟
- نحن بحاجة إلى التفریق بین الھدف والغایة، فالھدف تكوین الأسرة كمشروع ناجح بدءاً من الزواج الناجح وانتھاء بتربیة الأبناء التربیة الصحیحة، وبتخطیط سلیم كعدد أفراد وموارد مالیة وتكلفة تربیتھم ھذا من ناحیة مادیة، وكذلك كم من مجھود یحتاجون لصقلھم بشكل جید، ومن ھنا یعتمد على نظرة الأب إن كان ینظر لنفسھ أنھ ھو فقط رب الأسرة مادیاً وسلطویاً أو كصدیق وأخ وزمیل، تتغیر ھنا المفاھیم وتتبلور حسب ثقافة الأب ونضجھ، وأحیاناً یتدخل أصدقاء السوء لھدم ھذه المفاھیم، ولكن یعتمد ھذا على الذكاء العاطفي عند الأبوین في تسییر دفة نجاح العلاقات الأسریة.
سحر التواصل
لماذا تمیل فئة الشباب والشبات إلى الانفتاح الثقافي دون قاعدة صلبة من القیم الدینیة والأخلاقیة والاجتماعیة؟ ومن ھو المسؤول عن ذلك؟
- نعم سبب الفجوة ھو كلا الطرفین الأب والابن. إلا أن الأب أكثر رشداً وأكثر فھما للحیاة، وھو القائد والقدوة. لذا علیھ أن یبادر في أخذ زمام الأمور ویتبنى عدة أنشطة تجھض إقامة أي جدار عازل بینھ وبین أي فرد داخل أسرتھ. وأول تلكم المبادرات ھو التحسین المستمر في علاقتھ بشریكة حیاتھ. فالابن یرید قدوة ناجحة لا كلاماً منمقاً وفعلاً متناقضاً. ومن المفترض أن یكون الأب قدوة ناجحة لأبنائھ بالفعل والقول.
وھنا تكمن أھمیة التواصل، ففي عالم إدارة المشاریع تعطى مفردة الاتصال 90 % من الأھمیة.
جدیر بالذكر أن المھندس أمیر الصالح شغوف بالعلوم الاجتماعیة والتربویة ومغرم بالتعرف على أنماط الحیاة الشخصیة والأسریة الناجحة، متمثلاً المقولة الشھیرة " لا تلعن الظلام، ولكن أشعل شمعة"، تثیره صناعة المحتوى الھابط وغیر المفید الذي تعج بھ وسائل التواصل الاجتماعي فیدفعھ ذلك لطرق أبواب مختلفة لإیجاد الحلول الأنجع في المشاركة لتوجیھ أبناء المجتمع باللین والحكمة.
ولكون رصیده العلمي ھندسیاً، كانت كتاباتھ تركز على طرح الحلول بعد تشخیص المشكلة، ولیس الانغماس في المشكلة والتفرج علیھا والاكتفاء بالدعاء بالھدایة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق