الأربعاء، 13 يوليو 2022

فعالية الوعي



مسؤولة الفعالية:  أ. رباب النمر


الوعي أكثر الجوانب أُلفة وأكثرها غموضًا في حياتنا.  

هل الوعي إحساس داخلي؟ 

هل هو دراية تجوس خلال أدق تفاصيل هذا العالم؟ 

ما يزال الوعي أمرًا محيرًا ومثيرًا للجدل رغم آلاف السنين من التحليلات والتعريفات والتفسيرات والمناقشات بين الفلاسفة والعلماء.

هل الحدس أو ما يطلق عليه الحاسة السادسة هو الوعي ذاته؟ 

هل الوعي يرادف العقل؟ 

أو يشكل جانبًا من جوانبه؟ 


وفي الماضي، كان يتمثل «بالحياة الداخلية» للمرء، وعالم الاستبطان، والتفكير الداخلي، والخيال، والإرادة. قد تكون هناك مستويات أو مرتبات مختلفة للوعي، أو أنواع مختلفة من الوعي، أو مجرد نوع واحد مع سمات مختلفة. 

عصف ذهني وعلامات استفهام مزدحمة تثيرها مفردة الوعي بمجرد ورود هذه المفردة التجريدية التي تكتز في داخلها النضج والإدراك.  


بهذه الكلمات بدأت فعالية موسومة بالوعي في ملتقى آراء وأصداء باستضافة  اثنين من مثقفيها، هما سلمان الجبارة وناصر الحسن، وبمداخلات من الاعضاء علي الوباري، وخليفة بن أحمد، وأفنان المهدي وأسئلة موجهة من سيد عادل الحسين، والدكتور غسان بو خمسين، والدكتور صلاح الهاجري.  


مفهوم الوعي متعدد ولا يمكن القبض عليه 


وبدأت الفعالية بطرح سؤال حول ما هية الوعي، وتعريفه، وكيف يتكون.


 ناصر الحسن: 

للوعي تعريفات متشعبة وكل ينظر له من زاويته، إما من ناحية طبية وإما من ناحية فلسفية وإما من زوايا أخرى، لذا من وجهة نظري أعتقد بأن الوعي هو نشاط ذهني يبدأ بالذات وينتهي بالآخر.. أما تكونه فهو أشبه بالحاسب يجمع البيانات، ومن ثم يعالجها لتصبح معلومات عامة، وينتهي بها إلى تشكيل معرفة بغض النظر عما إذا كانت المعرفة مطابقة للواقع أم خليط بين الواقع والخيال!


سلمان الجبارة : 

مفهوم الوعي متعدد، ولا يمكن القبض عليه أو حصره في جانب معين، وبالتالي هناك تعريفات عديدة للوعي.  والوعي في اللغة يدل على فهم الشيء وحفظه وفقهه والإحاطة به.

أما  مفهوم“الوعي”  (Cognition) فلهذا المصطلح دلالات عديدة، ولكن أهم معانيه تتجلى من خلال علمين رئيسين في الإنسانيات الحديثة: علم النفس وعلم الاجتماع.

أما في علم النفس فيشير مصطلح الوعي أولًا إلى حالة “اليقظة” العادية، ويشير ثانيًا إلى قدرة الإنسان المتميزة الخاصة على الشعور بذاته، وتمايز ذاته عن الآخرين وعن الأشياء والكائنات الأخرى.

أما علم الاجتماع: فقد شرع في التركيز على أن الوعي نتاج لتطور فسيولوجي لمخ الإنسان، ولقدرة الإنسان على العمل وابتكار اللغة، وأن الوعي بهذا الشكل يصبح النتاج المباشر لتفاعل المعرفة المكتسبة فرديًّا أو اجتماعيًّا مع الدماغ (المخ)؛ وبالتالي، يصبح اللاوعي جزءًا من الوعي، ويتبادلان في الوقت نفسه التأثير والتأثر” (مصطلحات فكرية، سامي خشبة، ص: 253- 255. باختصار وتصرف).


الجبارة:  

لما تكلم ديكارت عن الوعي ربطه بالفكر والمعرفة التي يمتلكها الإنسان وأسماها ( الوعي). 

وعي الذات هو وعي دائم وحاضر للفلاسفة تبعًا لآراء الفلاسفة. ولا سيما ديكارت.  وهنا عندما يريد أن يعرف الذات يربطها بالقوالب الذهنية، هل هي فطرية. موجودة في عقل الإنسان؟ أو تتشكل كصيرورة؟ 

ولو ربطها بمعادلة أن الطفل حينما يولد هو شبه حيوان وليس إنساناً كاملًا. وعندما تتشكل الذات ويتكلم عن الأنا حينما يريد أن يعبر عن أفعاله وأقواله وينطلق بقول(أنا) يبدأ تشكل الذات. وهكذا فإن هذه الصيرورة. تنمو. وتتشكل حتى يبلغ ذاتًا واعية.  

 

 الوعي والإدراك 

وتوالت الأسئلة الحوارية وعلى إثرها توالت إجابات الضيفين وتفاعل المداخلين وطارحي الأسئلة.  



 هل الوعي بهذا المعنى مرادف للإدراك؟


يرتبط الوعي بإدراك العلاقة بين الإنسان والموضوع والأشياء. 

الإنسان كذات فاهمة.  

ومتى ما أدرك الإنسان العلاقة بين ذاته والموضوعات والأشياء الموجودة في الوجود تشكل الوعي.  


الحسن:  


 الإدارك واليقظة أول شرط للوعي، لأن الوعي درجات ولا يتأتى دفعة واحدة. فقد يكون الإنسان واعيًا، ولكنه غير مدرك بما يدور حوله.  تماما كالذي دخل في الصلاة وهو واعٍ ولكنه غير مدرك لعدد الركعات!!


الجبارة:  

الوعي على الذات لا يمكن أن يتم حسب تعبير هيغل إلا إذا كان نابعًا من الإرادة التي لا بد أن تتوافر بها شروط، وأهم شروطها الحرية والاستقلال.  

وهذا لا يتأتى للحيوانات أو الكائنات الحية الأخرى.  

أما العلم الحديث فيحمل نظريات تشير إلى أن الإلكترون والذرة ذكية ومن مواصفاتهما الوعي.


 الأخلاق هي المحرك الأساس لوعي الإنسان.  


هل من معايير يمكن من خلالها قياس درجة الوعي؟

الجبارة: 

ربطت الفلسفة الإسلامية الذات الواعية للإنسان بالقدرة الجسدية والعقلية التي ينتج عنها الضبط الأخلاقي، وهذه حالة معيارية للوعي.  

وهناك ربط قوي جدًّا  وجميل بين الوعي ومعيارية الأخلاق، التي هي المعيار الحقيقي للوعي.  

فما لم يكن هناك أخلاق لن يكن هناك وعي، ومهما بلغت المادة ومهما تطور الٱنسان ماديًّا تظل الأخلاق هي المحرك الأساس لوعي الإنسان.


 الأخلاق هي الترمومتر القادر على جس الوعي الإنساني وتحديد درجة قياسه


معيار قياس الوعي 


الجبارة: 


ربط الوعي الداخلي بالعالم الخارجي وهو المظهر مقابل الجوهر الذي هو وعي الإنسان بذاته، فهناك علاقة قوية جدًّا بين الأفكار والوعي والحواس كمدخلات، وبالتالي فإن تحليل الأفكار وربطها بالأشياء الداخلية (الحدوس كما يسميها الفلاسفة) وهي كالأنظمة التي تشغل عالم الأفكار لدى الإنسان.


الحسن: 


يقوم الذهن بمعالجة ما يرد عليه من الحواس التي تقبض على الوجود الخارجي، ومن ثم تحويلها إلى معلومات، وبالتالي إلى معرفة وخبرة مكتسبة وهذا ما أسميه الوعي.  

ويُختبر الوعي بالاستثارة والاستجابة لدى الأطباء .. فالإنسان قد يتعاطى مواد مخدرة وهذه المواد ينتج عنها تشويش فكري ومعرفي لدى المتعاطي.. لذا يخلط هذا الشخص بين الواقع وبين ما يدور في ذهنه من تصورات.  


الجبارة:  


تبقى الأفكار مثالية ما لم تتمثل وتُختبر على أرض الواقع وهي حقلها الاجتماعي، فإذا نجحت تلك الأفكار وتطورت وأنبتت قيمة مضافة لحياتنا الاجتماعية والفردية فقد شكلت وعيًا.ولذا هناك ربط بين الوعي والعالم الواقعي.


الحسن: 

الانسان هو البوصلة - كل ما يمتهن انسانية الانسان "هو فعل مستهجن يحول الانسان لآداة رخيصة تشترى وتباع - سواء تم ذاك تحت غطاء "الحلال" او مع موضة "الانفتاح والمواكبة"


الجبارة: 

الوعي في عالم وجودنا على هذا الكوكب مرتبط بالإنسان، وقد ربطت فيزياء الكم بين الوعي والإلكترون الذي يتميز بالذكاء داخل الذرة الذكية، ولذلك يغير سلوكه وحركته ضمن التجربة، وبالتالي يرتبط الذكاء بالإنسان، ولكن الفيزيائيين يربطون الوعي بعوالم أخرى.  وقد طرح ستيف هوكنغ نظرية الأكوان المتوازية وقال بأنه قد يكون هناك عالم آخر ينظر إلى وعينا على أننا عالة على الكون، والإنسان هو مخلوق غبي جدًّا، وهناك كائنات في عوالم أخرى هي أذكى من الإنسان، ولذلك حذر العلماء من إطلاق موجات تكشف عن العوالم الأخرى، لأن ذلك ربما يستثيرها ويجعلها تغزونا ونفشل في التصدي لها. وحذر من إرسال موجات لكائنات قد تكون أكثر منا ذكاءً. 


 أصناف الوعي 

هل هناك أنواع وأصناف للوعي؟ هل يمكن الحديث عن وعي اجتماعي، ووعي اقتصادي، وغير ذلك بطريقة مشابهة للذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي واللغوي وغير ذلك من الذكاءات المختلفة؟


الحسن: 

بالتأكيد فلا يمكن القول بأن الإنسان واع في كل مجالات الحياة، بل يحتاج دائما إلى من يرشده دائمًا وينصحه، فالنصيحة والرشد هي أشبه بدلق ماء بارد على وعي الإنسان.  

ولكل إنسان له قابلية محددة، والوعي نستطيع أن نقول بأنه مأخوذ من الوعاء المحدود، لذا يتفاوت الوعي بتفاوت العقول أشبه بالتصنيف الأكاديمي للنجاح A.B.C  هناك مجالات علمية لها قواعد وضعها الإنسان المختص بناء على معرفته وتجاربه السابقة لذا يستطيع الأكثر دراية وممارسة أن يحدد الواعي من غير الواعي، وهناك مجالات غير محسومة أو تخضع لمفاهيم مطاطية تضيق وتتوسع من شخص لآخر مثل المفاهيم الثقافية والمجتمعية، والأخلاقية، والدينية فهي محل خلاف وجدل. لذا يرى كل شخص أنه على حق وأنه أكثر وعيًا من الآخر، وأعتقد أن الإنسان كلما كان أكثر إنسانيا كلما كان أكثر وعيًا.



لكل حقل اصطلاحاته ومواضيعه الخاصة به، فمن يجهل تلك المواضيع ولا يعرف أين يضعها في مكانها الصحيح ، عندها يتبين لك من بكى ممن تباكى.


 الوعي والسلوك 


 هل من علاقة بين الوعي والسلوك؟ 


هذا السؤال يذكرني بمن يشرب التبغ، فهو يقرأ التحذير المكتوب على علبة السجائر، ولكن مع ذلك يقوم بشرب التبغ! فالإنسان يعي المخاطر ويعي كثير من الأمور، ولكن سلوكه مختلف تماما عما يرغب به ويشتهيه


الجبارة: 

ربما اتحدث عن الوعي من وجهة نظر إسلامية حسب معرفتي المتواضعة.

كثير من علماء العصر تحدثوا عن الوعي من ديكارت إلى برينتانو، معظم من تحدث عن الوعي مر بتجربة دينية كنسية وهي تجربة النصوص الدينية.

مع الأسف معظم من تحدث عن الوعي من المسلمين في عصرنا الحالي تحدثوا نقلًا عن علماء النفس والمفكرين الغرب، ولكن نادرًا من أصلّ الموضوع من وجهة دينية إسلامية، لأننا نعيش الحكم الإسلامي في عبادتنا وممارستنا اليومية حتى ما يهم صحتنا نتحدث عن أدوية وعلاجات يحللها الشرع أو يحرمها.

الوعي يفهم من خلال مدخلات الفرد الدينية والتربوية والعلمية والثقافية، ولا نستطيع أن نفصل الوعي عن واقع أي فرد ، وللوعي مستويات.

الوعي مرتبط باللغة وبفهم الإنسان للحياة (بعلم النفس)

ربما الشرع الديني طلب منا المسلمين ممارسة الوعي يوميا في فريضة ومستحب بقصد النية في الاداء يعني الوعي بما تفعل وبما تقول وحتى في داخلك حتى قيل نية المرء افضل من عمله.

الوعي يبدأ من فهمنا لذواتنا ولأدوارنا " من عرف نفسه عرف ربه" عبارة نقلت عن امام المتقين عليه السلام لكن منها يبدأ الوعي مرحلة أولى معرفة النفس ونمارس السلوك بفهم حتى نصل إلى الفهم والاستيعاب الاكبر وهو معرفة الخالق التي هي الغاية الكبرى.

الوعي مرتبط بالأنا( الكبرى المتوسطة والصغرى)

كلما تواضع الإنسان بعلمه ومعارفه وتجاربه اصبح اقرب للوعي تعاظم الأنا الكبرى تبعد الفرد عن الوعي لشغله بذاته، الشكر الذاتي والإعجاب بالنفس يقلل الوعي وعي بالنفس ووعي بمن حولك وبالوعي بالمخلوقات والنعم، نلاحظ كثير من العلماء أصبحوا أكثر وعيًا بل تراجعوا عن معتقداتهم المتعالية بعد تجاربهم ومعارفهم في الحياة.

في ثقافتنا الاسلامية نقيس الوعي بما يحدده الشارع الإسلامي في الأحداث والتفاعل معها وليس شرطًا التفاعل الإيجابي، ولكن بالتفاعل السلبي أو النأي بالنفس.

الوعي عالم يصعب تحديد فهمه خصوصًا أنه مرتبط بالتطور العلمي وبعلم النفس وعلم الأعصاب، وثظهر كل يوم أبحاث ودراسات في علم الأعصاب التي لها علاقة بعلم النفس، وهذه الأبحاث تغير في فهمنا للوعي بل من قال إن للحيوانات ليس لهم وعي، أو لا تتفاعل للمتغيرات، وأصبحت مستجيبة لمن حولها وتعي ما يحدث، بل ربما حتى الجماد خصوصًا إذا وصلنا لمرحلة فهمنا الآية القرآنية (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)

والمعرفة التي لا تهذب السلوك، فهي مجرد معلومات يحملها الكائن البشري.  



سؤال من الدكتور غسان بو خمسين 

هل تمتلك الجمادات وعياً، وإذا كان تمتلك بأي صفة يكون؟

وماهو مفهوم  Panpsychism في الفلسفة؟


 الحسن: 

دعنا نصعد درجة بين الحيوان والجماد هناك النباتات .. هل لها وعيا خاصا بها! النباتيون (الذين يمتنعون عن أكل الحيوان) يقولون بأن النباتات لا تملك خاصية الشبكة العصبية مثل الحيوان وهذا مبررهم لأكل النباتات، ولكن العلم الحديث اختبر تلك المقولة لدى الأشجار ووجد بأن لديها وعيا خاصا بها، فهي تحس بالألم ولكنه بأتي متأخر جدا  أي بعد ساعة تقريبا، ولكن ليس بنفس الدرجة لدى الحيوان.. هنا نعود للجمادات قرأت مؤخرا دراسة علمية تقول بأن الكون يعالج نفسه من الاحتباس الحراري وهذا يقودنا لنفس السؤال هل الجمادات لديها وعيا خاصا بها.. أظن بما سبق أنه نعم لديها وعيا خاصا بها.  



الجبارة:

وسوال وردنا ع الخاص من السيد عادل الحسين 


هل المعرفة تخلق وعيا؟


الحسن:  

باختصار نعم.  


 ما هي درجة الوعي لدى إبليس؟


 الجبارة:  

وعي إبليس أوقعه في فخ الغرور. 

الحسن:  

إبليس رمز الشهوة لدى الإنسان لذا دخل على آدم من هذا الباب (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين).


عادل


تعليق السيد عادل الحسين


رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)



أليس تعليم الكتاب هو المعرفة وتعليم الحكمة هو الوعي



في رأيي المعرفة لا تخلق وعيا. إبليس يعد من العارفين الكبار، لكنه لم يكن واعيا بحقيقة العبادة بأن يعبد الله كما يريد الله وليس كما يريد هو. لذلك هو لم يكن واعيا قبل السجدة وقطعا هو غير واع يعد السجدة.


المسلم يعرف أن أكل مال اليتيم حرام لكنه لا يعي خطورته.


(الناس نيام وإذا ماتوا انتبهوا)


اختلاف درجة الوعي بين أبناء البيئة ذاتها 


كيف لشخصين يعيشان البيئة الثقافية نفسها، وينتميان لمجتمع واحد، ويتلقيان التعليم نفسه،  فيكون أحدهما واعيًا ويكون الآخر غير واعٍ؟ 


الجبارة:  

أعتقد أن (عُمق التأمل وقوة التركيز والذاكرة وسرعة البديهة "طبيعي" أن تختلف من شخص لآخر - ولكن

‏هنا سؤال: لماذا نختلف إذن ونحن بذات العقل والمنطق؟

‏نختلف نتيجة تفاوت المسافات التي تتمركز فيها العقول على أرضية التصورات في الواقع الاجتماعي الذي شكل منظومة الوعي واللاوعي


أفنان: 

أنا بظني، هناك قابليات ومؤهلات نفسية وطبائع تختلف من شخص لآخر حتى لو كانا في نفس البيئة يعيشون ويتلقون نفس مستوى التعليم، بل وحتى الطموح له دور في ذلك!


وفي الزاوية الأخرى، نقطة مهمة جدا قد تكون غيبية ويبينها أمير المؤمنين عليه السلام في حكمته القصيرة (من عَلِم بما يعلم، علّمه الله ما لا يعلم )، والوعي أليس الحفظ وسلامة الإدراك ونوع من المعرفة والعلم، فإن عمل بما يعلمه، فتح له ربه أبوابًا من العلم والمعرفة وزاد في وعيه.


الجبارة: 

الوعي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبيئة التي ينشأ فيها الإنسان، ويرتبط بالمجتمع وبالتحديات الجغرافية والمناخية وكل ما يمت للإنسان سواء بالتنشئة، وبالتحديات التي تطرأ عليه.  

فالوعي الذاتي مرتبط بالوعي الجماعي. ولا يمكن تغيير وعي الإنسان إلا من خلال تغيير الواقع الاجتماعي.


 الوعي والحواس 

ما طبيعة علاقة الوعي بالحواس؟ 


الجبارة: 


الحواس تستحث الوعي وتساهم في تشكيل المعارف والافكار وهناك مايعرف بالقوالب الذهنية، التي تتضمن ما يعرف بالحدوس.  


أفنان:

يُفهم من هذا الكلام أستاذنا أن الوعي أساسه ومرتكزه  الحواس فقط!


ألا توجد مكونات أخرى للوعي غير الحواس؟!


أفنان: 

للوعي مكونات أخرى على ضوئها يتشكل الوعي بشكل تراكمي، ليست الحواس فقط!

منها الحدس والخيال والإحساس والضمير والنظم الاجتماعية والمبادئ والظروف التي يمر بها الإنسان، والمعرفة. كلها تشكل مكونات للوعي!


الحسن: 

هناك مقولة فلسفية مفادها ( من فقد حسا فقد علما) تخيل لو أن إنسانًا فقد بصره وسمعه منذ الولادة كيف سيتشكل لديه الوعي بالعالم الخارجي؟ سيكون لديه وعي ولكنه وعي ناقص أو غير مطابق للواقع.


زكريا:  

إبداع ناقصي الحواس كالمعري وبيتهوفن وبشار بن برد القائل (أعمى يقود بصيرًا .. !!) وغيرهم- أكثر من مستكملي الحواس، ألا يجعلنا نشكك في قيمة الحواس؟! بمعنى لو كانت الحواس هي القيمة العليا في الوعي وصاحبة التأثير الأكبر لكان يفترض أن يكون فاقد الحاسة أقل إبداعًا من غيره ولاستحال منطقيّْا أن يكون أكثر إبداعًا.

وماذا عن المعاقين الذين فاقوا مكتملي الحواس؟! أليست حالات تفوق منعدمي الحواس على سليمي الحواس مؤشرًا على أن الإرادة قد تكون أكثر أهمية من سلامة الحواس؟ أليست الحواس مجرد مواد خام تحركها الإدارة ومشاعر معينة مثل محبة الخير أو نصرة الأخلاق أو تعزيز عقيدة أو أيديولوجيا معينة، بحيث تبدو الحواس في نهاية الأمر مجرد خادم مطيع، فأنا أوجه حواسي باتجاه معرفة معينة لأنها مطلوبة عقديًّا أو أخلاقيًّا، أو لأنها مفيدة من جهة نفعية، ما يجعل هذه المقولة (من فقد حسا فقد علما) محل نظر فهي ليست المعيار الأهم في الوعي والمعرفة.


الحسن: 

نعم هناك معاقون أيقظوا العالم وزادوا وعيهم.. ولكن قد تكون إعاقتهم حركية على سبيل المثال مثل: "ستيفن هوكينج" فقد كان سليم العقل والنظر والسمع، لذلك أبدع في مجال الفيزياء، ولكن تخيل لو كان فاقدًا للنظر منذ صغره، فهل يستطيع أن يخرج بكل تلك النظريات العلمية الحديثة؟

هناك أيضًا "بيتهوفن" فقد سمعه بعد أن تقدم في السن، ولكنه أنتج أروع الموسيقى العالمية وهو فاقد للسمع، ولكن لو كان هذا الفقد منذ الولادة فهل سيبدع كما أبدع لاحقًا؟!



 نحن ووعي الآخر 


 هل من الممكن أن ننظر إلى الآخر على أنه غير واعٍ والآخر أيضٍا يرانا غير واعين؟ كيف تتصور الموضوع؟


الحسن: 

يجب أن نعرف أولًا أن الوعي يندرج تحت المفاهيم العقلية، والمفهوم بطبعه سائل متحرك بعكس الاصطلاح فهو صلب وشبه ثابت، ومن الطبيعي حين تكون المفاهيم متغيرة ينظر كل منا إلى الآخر بنظرة مغايرة، وذلك لاختلاف التنشئة التي نشأ عليها الإنسان. كما أن الوعي يقع تحت تأثير اليقظة والسبات، والاستثارة والاستجابة.. فالإنسان الذي يتعاطى مواد مخدرة على سبيل المثال كما قلت سابقا لديه وعي زائف، وعي مشوش لذلك تصدر أحكامه نتيجة التشويش العقلي في حين أن الإنسان المتحرر من تلك المواد تكون نظرته إلى الواقع أقرب وأصح.


 علاقة الوعي الذاتي بالوعي الجماعي: 


الوباري: 

هل الوعي الذاتي جزء من الوعي الجماعي(جزء من الوعي للبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الفرد)؟


أفنان: 

 أظن أن تعليق الوعي الذاتي على تغيير الواقع الاجتماعي، لا تسنده الوقائع والحقائق على أرض الواقع، الواعون هم من يغيرون الواقع الاجتماعي لا العكس!

فكثير ممن انتقلوا من ضفة التجهيل إلى ضفة الوعي، كان واقعهم بائسًا، وهم من غيروه بومضة من ومضات الوعي، ويحضر في ذهني - ونحن على مشارف أيام السبط - الأخوان اللذان كانا في معسكر ابن زياد وبومضة الوعي غيّرا واقعهما البائس لضفة الحسين عليه السلام، ولم ينتظرا الواقع الجمعي يتغير بل هما من بادرا بالتغيير.


فلماذا لا يكون الاثنان معًا صحيحين؟

فالوعي الفردي يمكن أن يشكل الوعي الاجتماعي إذا كان نابعا عبقريًّا ملهمًا، والوعي الاجتماعي ينعكس على وعي أفراده أيضًا. ولا تناقض بين القولين.



 الوعي والإرادة الحرة 


غسان:  

 ما طبيعة العلاقة بين الوعي والإرادة الحرة؟ 


أفنان: 

الإرادة المتدثرة بالوعي..

فكم من وعي ليس به إرادة، جعل صاحبه في أسفل سافلين!

وكم من وعي متلبس بإرادة فولاذية ارتفع إلى أعلى عليين، والتاريخ كثيرة شواهده والزمن المعاصر كذلك.


الحسن: 

أعتقد أن مشكلة الإنسان تكمن في التوازن. فالكبت مضر والإسراف مضر، ويحتاج الإنسان إلى تقوية الوعي، والعمل به، وإلا أصبح هلاكه أسرع وعمره أقصر لا محالة. 


 الوعي والقراءة 


 هل تخلق القراءة درجة من الوعي؟ 

لماذا من تزيد قراءاتهم واطلاعاتهم يدخلهم الشك في تشريعات السماء

وأحيانًا في وجود الله تعالى؟


الحسن: 


يظن الإنسان بأنه يتحرك وفق وعيه وعقله، ولكن في الحقيقة أن غرائزه وشهواته، وعواطفه هي المسيطر في كثير من مجالات الحياة لذلك قديما قالوا: (الشهوة تطير واللذة تركض، والعقل يمشي، لذلك دائما يصل متأخرًا)


الجبارة: 

ربما أتحدث عن الوعي من وجهة نظر إسلامية حسب معرفتي المتواضعة.

كثير من علماء العصر تحدثوا عن الوعي من ديكارت إلى برينتانو، ومعظم من تحدث عن الوعي مر بتجربة دينية كنسية، وهي تجربة النصوص الدينية.

مع الأسف معظم من تحدث عن الوعي من المسلمين في عصرنا الحالي تحدثوا نقلا عن علماء النفس وعن مفكرين الغرب، ولكن نادرا من تناول أصلّ الموضوع من وجهة دينية إسلامية، لأننا نعيش الحكم الإسلامي في عبادتنا وممارستنا اليومية حتى ما يهم صحتنا نتحدث عن أدوية وعلاجات يحللها الشرع أو يحرمها.

الوعي يفهم من خلال مدخلات الفرد الدينية والتربوية والعلمية والثقافية، ولا نستطيع أن نفصل الوعي عن واقع أي فرد وللوعي مستويات حسب العوامل التي ذكرت.

الوعي مرتبط باللغة وبفهم الإنسان للحياة (بعلم النفس)

ربما الشرع الديني طلب منا المسلمين ممارسة الوعي يوميًّا في فريضة ومستحب بقصد النية في الاداء يعني الوعي بما تفعل وبما تقول وحتى في داخلك حتى قيل نية المرء افضل من عمله.

الوعي يبدأ من فهمنا لذواتنا ولأدوارنا " من عرف نفسه عرف ربه" عبارة نقلت عن إمام المتقين عليه السلام، ولكن منها يبدأ الوعي مرحلة أولى معرفة النفس ونمارس السلوك بفهم حتى نصل إلى الفهم والاستيعاب الأكبر وهو معرفة الخالق التي هي الغاية الكبرى.

الوعي مرتبط بالأنا( الكبرى المتوسطة والصغرى)

وكلما تواضع الإنسان بعلمه ومعارفه وتجاربه أصبح أقربًا للوعي. وتعاظم الأنا الكبرى تبعد الفرد عن الوعي لشغله بذاته، والشكر الذاتي والإعجاب بالنفس يقلل الوعي وعي بالنفس ووعي بمن حولك وبالوعي بالمخلوقات والنعم، نلاحظ أن كثيرًا من العلماء أصبحوا أكثر وعيًا، بل تراجعوا عن معتقداتهم المتعالية بعد تجاربهم ومعارفهم في الحياة.

في ثقافتنا الإسلامية نقيس الوعي بما يحدده الشارع الإسلامي في الأحداث والتفاعل معها وليس شرطًا بالتفاعل الإيجابي، ولكن بالتفاعل السلبي أو النأي بالنفس.

الوعي عالم يصعب تحديد فهمه خصوصا أنه مرتبط بالتطور العلمي وبعلم النفس وعلم الأعصاب الذي يظهر كل يوم أبحاثًا ودراسات في علم الأعصاب التي لها علاقة بعلم النفس، وهذه الأبحاث تغير في فهمنا للوعي بل من قال ٱن للحيوانات ليس لها وعي، أو لا تتفاعل للمتغيرات أصبحت مستجيبة لمن حولها وتعي ما يحدث،بل ربما حتى الجماد خصوصا إذا وصلنا لمرحلة فهمنا الآية القرآنية (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)

ولما نحي الدين بعيدًا عن الإنسان وصلنا إلى التوحش ومفاهيم الشذوذ، والنسوية المتوحشة، وظواهر غير طبيعية أفرزت عندما أُقصي الدين وحصره في المسجد ودرو العبادة فقط، وأُبعد عن حركة الإنسان. ولذا لا سبيل لسعادة الإنسان إلا بالعودة للقيم الدينية.


أفنان: 

وأيضا إلى نوعية الكتب التي يقرأ، فكم من كتاب أطروحته ملغمة وتفتك، بطريقة لا يعيها إلا الفطن، وتكون مخلوطة بالسم والعسل.


ويبقى الوعي أيقونة تزين عقول الناس، وتميزهم بالحكمة، وتنعكس على سلوكهم بالرقي.  

فما أروعها حين تنطلق منها أجهزة التحكم الذاتية، وما أقدسها حين ترتبط بالحرص على رضا الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق