الأربعاء، 13 يوليو 2022

فعالية الوعي



مسؤولة الفعالية:  أ. رباب النمر


الوعي أكثر الجوانب أُلفة وأكثرها غموضًا في حياتنا.  

هل الوعي إحساس داخلي؟ 

هل هو دراية تجوس خلال أدق تفاصيل هذا العالم؟ 

ما يزال الوعي أمرًا محيرًا ومثيرًا للجدل رغم آلاف السنين من التحليلات والتعريفات والتفسيرات والمناقشات بين الفلاسفة والعلماء.

هل الحدس أو ما يطلق عليه الحاسة السادسة هو الوعي ذاته؟ 

هل الوعي يرادف العقل؟ 

أو يشكل جانبًا من جوانبه؟ 


وفي الماضي، كان يتمثل «بالحياة الداخلية» للمرء، وعالم الاستبطان، والتفكير الداخلي، والخيال، والإرادة. قد تكون هناك مستويات أو مرتبات مختلفة للوعي، أو أنواع مختلفة من الوعي، أو مجرد نوع واحد مع سمات مختلفة. 

عصف ذهني وعلامات استفهام مزدحمة تثيرها مفردة الوعي بمجرد ورود هذه المفردة التجريدية التي تكتز في داخلها النضج والإدراك.  


بهذه الكلمات بدأت فعالية موسومة بالوعي في ملتقى آراء وأصداء باستضافة  اثنين من مثقفيها، هما سلمان الجبارة وناصر الحسن، وبمداخلات من الاعضاء علي الوباري، وخليفة بن أحمد، وأفنان المهدي وأسئلة موجهة من سيد عادل الحسين، والدكتور غسان بو خمسين، والدكتور صلاح الهاجري.  


مفهوم الوعي متعدد ولا يمكن القبض عليه 


وبدأت الفعالية بطرح سؤال حول ما هية الوعي، وتعريفه، وكيف يتكون.


 ناصر الحسن: 

للوعي تعريفات متشعبة وكل ينظر له من زاويته، إما من ناحية طبية وإما من ناحية فلسفية وإما من زوايا أخرى، لذا من وجهة نظري أعتقد بأن الوعي هو نشاط ذهني يبدأ بالذات وينتهي بالآخر.. أما تكونه فهو أشبه بالحاسب يجمع البيانات، ومن ثم يعالجها لتصبح معلومات عامة، وينتهي بها إلى تشكيل معرفة بغض النظر عما إذا كانت المعرفة مطابقة للواقع أم خليط بين الواقع والخيال!


سلمان الجبارة : 

مفهوم الوعي متعدد، ولا يمكن القبض عليه أو حصره في جانب معين، وبالتالي هناك تعريفات عديدة للوعي.  والوعي في اللغة يدل على فهم الشيء وحفظه وفقهه والإحاطة به.

أما  مفهوم“الوعي”  (Cognition) فلهذا المصطلح دلالات عديدة، ولكن أهم معانيه تتجلى من خلال علمين رئيسين في الإنسانيات الحديثة: علم النفس وعلم الاجتماع.

أما في علم النفس فيشير مصطلح الوعي أولًا إلى حالة “اليقظة” العادية، ويشير ثانيًا إلى قدرة الإنسان المتميزة الخاصة على الشعور بذاته، وتمايز ذاته عن الآخرين وعن الأشياء والكائنات الأخرى.

أما علم الاجتماع: فقد شرع في التركيز على أن الوعي نتاج لتطور فسيولوجي لمخ الإنسان، ولقدرة الإنسان على العمل وابتكار اللغة، وأن الوعي بهذا الشكل يصبح النتاج المباشر لتفاعل المعرفة المكتسبة فرديًّا أو اجتماعيًّا مع الدماغ (المخ)؛ وبالتالي، يصبح اللاوعي جزءًا من الوعي، ويتبادلان في الوقت نفسه التأثير والتأثر” (مصطلحات فكرية، سامي خشبة، ص: 253- 255. باختصار وتصرف).


الجبارة:  

لما تكلم ديكارت عن الوعي ربطه بالفكر والمعرفة التي يمتلكها الإنسان وأسماها ( الوعي). 

وعي الذات هو وعي دائم وحاضر للفلاسفة تبعًا لآراء الفلاسفة. ولا سيما ديكارت.  وهنا عندما يريد أن يعرف الذات يربطها بالقوالب الذهنية، هل هي فطرية. موجودة في عقل الإنسان؟ أو تتشكل كصيرورة؟ 

ولو ربطها بمعادلة أن الطفل حينما يولد هو شبه حيوان وليس إنساناً كاملًا. وعندما تتشكل الذات ويتكلم عن الأنا حينما يريد أن يعبر عن أفعاله وأقواله وينطلق بقول(أنا) يبدأ تشكل الذات. وهكذا فإن هذه الصيرورة. تنمو. وتتشكل حتى يبلغ ذاتًا واعية.  

 

 الوعي والإدراك 

وتوالت الأسئلة الحوارية وعلى إثرها توالت إجابات الضيفين وتفاعل المداخلين وطارحي الأسئلة.  



 هل الوعي بهذا المعنى مرادف للإدراك؟


يرتبط الوعي بإدراك العلاقة بين الإنسان والموضوع والأشياء. 

الإنسان كذات فاهمة.  

ومتى ما أدرك الإنسان العلاقة بين ذاته والموضوعات والأشياء الموجودة في الوجود تشكل الوعي.  


الحسن:  


 الإدارك واليقظة أول شرط للوعي، لأن الوعي درجات ولا يتأتى دفعة واحدة. فقد يكون الإنسان واعيًا، ولكنه غير مدرك بما يدور حوله.  تماما كالذي دخل في الصلاة وهو واعٍ ولكنه غير مدرك لعدد الركعات!!


الجبارة:  

الوعي على الذات لا يمكن أن يتم حسب تعبير هيغل إلا إذا كان نابعًا من الإرادة التي لا بد أن تتوافر بها شروط، وأهم شروطها الحرية والاستقلال.  

وهذا لا يتأتى للحيوانات أو الكائنات الحية الأخرى.  

أما العلم الحديث فيحمل نظريات تشير إلى أن الإلكترون والذرة ذكية ومن مواصفاتهما الوعي.


 الأخلاق هي المحرك الأساس لوعي الإنسان.  


هل من معايير يمكن من خلالها قياس درجة الوعي؟

الجبارة: 

ربطت الفلسفة الإسلامية الذات الواعية للإنسان بالقدرة الجسدية والعقلية التي ينتج عنها الضبط الأخلاقي، وهذه حالة معيارية للوعي.  

وهناك ربط قوي جدًّا  وجميل بين الوعي ومعيارية الأخلاق، التي هي المعيار الحقيقي للوعي.  

فما لم يكن هناك أخلاق لن يكن هناك وعي، ومهما بلغت المادة ومهما تطور الٱنسان ماديًّا تظل الأخلاق هي المحرك الأساس لوعي الإنسان.


 الأخلاق هي الترمومتر القادر على جس الوعي الإنساني وتحديد درجة قياسه


معيار قياس الوعي 


الجبارة: 


ربط الوعي الداخلي بالعالم الخارجي وهو المظهر مقابل الجوهر الذي هو وعي الإنسان بذاته، فهناك علاقة قوية جدًّا بين الأفكار والوعي والحواس كمدخلات، وبالتالي فإن تحليل الأفكار وربطها بالأشياء الداخلية (الحدوس كما يسميها الفلاسفة) وهي كالأنظمة التي تشغل عالم الأفكار لدى الإنسان.


الحسن: 


يقوم الذهن بمعالجة ما يرد عليه من الحواس التي تقبض على الوجود الخارجي، ومن ثم تحويلها إلى معلومات، وبالتالي إلى معرفة وخبرة مكتسبة وهذا ما أسميه الوعي.  

ويُختبر الوعي بالاستثارة والاستجابة لدى الأطباء .. فالإنسان قد يتعاطى مواد مخدرة وهذه المواد ينتج عنها تشويش فكري ومعرفي لدى المتعاطي.. لذا يخلط هذا الشخص بين الواقع وبين ما يدور في ذهنه من تصورات.  


الجبارة:  


تبقى الأفكار مثالية ما لم تتمثل وتُختبر على أرض الواقع وهي حقلها الاجتماعي، فإذا نجحت تلك الأفكار وتطورت وأنبتت قيمة مضافة لحياتنا الاجتماعية والفردية فقد شكلت وعيًا.ولذا هناك ربط بين الوعي والعالم الواقعي.


الحسن: 

الانسان هو البوصلة - كل ما يمتهن انسانية الانسان "هو فعل مستهجن يحول الانسان لآداة رخيصة تشترى وتباع - سواء تم ذاك تحت غطاء "الحلال" او مع موضة "الانفتاح والمواكبة"


الجبارة: 

الوعي في عالم وجودنا على هذا الكوكب مرتبط بالإنسان، وقد ربطت فيزياء الكم بين الوعي والإلكترون الذي يتميز بالذكاء داخل الذرة الذكية، ولذلك يغير سلوكه وحركته ضمن التجربة، وبالتالي يرتبط الذكاء بالإنسان، ولكن الفيزيائيين يربطون الوعي بعوالم أخرى.  وقد طرح ستيف هوكنغ نظرية الأكوان المتوازية وقال بأنه قد يكون هناك عالم آخر ينظر إلى وعينا على أننا عالة على الكون، والإنسان هو مخلوق غبي جدًّا، وهناك كائنات في عوالم أخرى هي أذكى من الإنسان، ولذلك حذر العلماء من إطلاق موجات تكشف عن العوالم الأخرى، لأن ذلك ربما يستثيرها ويجعلها تغزونا ونفشل في التصدي لها. وحذر من إرسال موجات لكائنات قد تكون أكثر منا ذكاءً. 


 أصناف الوعي 

هل هناك أنواع وأصناف للوعي؟ هل يمكن الحديث عن وعي اجتماعي، ووعي اقتصادي، وغير ذلك بطريقة مشابهة للذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي واللغوي وغير ذلك من الذكاءات المختلفة؟


الحسن: 

بالتأكيد فلا يمكن القول بأن الإنسان واع في كل مجالات الحياة، بل يحتاج دائما إلى من يرشده دائمًا وينصحه، فالنصيحة والرشد هي أشبه بدلق ماء بارد على وعي الإنسان.  

ولكل إنسان له قابلية محددة، والوعي نستطيع أن نقول بأنه مأخوذ من الوعاء المحدود، لذا يتفاوت الوعي بتفاوت العقول أشبه بالتصنيف الأكاديمي للنجاح A.B.C  هناك مجالات علمية لها قواعد وضعها الإنسان المختص بناء على معرفته وتجاربه السابقة لذا يستطيع الأكثر دراية وممارسة أن يحدد الواعي من غير الواعي، وهناك مجالات غير محسومة أو تخضع لمفاهيم مطاطية تضيق وتتوسع من شخص لآخر مثل المفاهيم الثقافية والمجتمعية، والأخلاقية، والدينية فهي محل خلاف وجدل. لذا يرى كل شخص أنه على حق وأنه أكثر وعيًا من الآخر، وأعتقد أن الإنسان كلما كان أكثر إنسانيا كلما كان أكثر وعيًا.



لكل حقل اصطلاحاته ومواضيعه الخاصة به، فمن يجهل تلك المواضيع ولا يعرف أين يضعها في مكانها الصحيح ، عندها يتبين لك من بكى ممن تباكى.


 الوعي والسلوك 


 هل من علاقة بين الوعي والسلوك؟ 


هذا السؤال يذكرني بمن يشرب التبغ، فهو يقرأ التحذير المكتوب على علبة السجائر، ولكن مع ذلك يقوم بشرب التبغ! فالإنسان يعي المخاطر ويعي كثير من الأمور، ولكن سلوكه مختلف تماما عما يرغب به ويشتهيه


الجبارة: 

ربما اتحدث عن الوعي من وجهة نظر إسلامية حسب معرفتي المتواضعة.

كثير من علماء العصر تحدثوا عن الوعي من ديكارت إلى برينتانو، معظم من تحدث عن الوعي مر بتجربة دينية كنسية وهي تجربة النصوص الدينية.

مع الأسف معظم من تحدث عن الوعي من المسلمين في عصرنا الحالي تحدثوا نقلًا عن علماء النفس والمفكرين الغرب، ولكن نادرًا من أصلّ الموضوع من وجهة دينية إسلامية، لأننا نعيش الحكم الإسلامي في عبادتنا وممارستنا اليومية حتى ما يهم صحتنا نتحدث عن أدوية وعلاجات يحللها الشرع أو يحرمها.

الوعي يفهم من خلال مدخلات الفرد الدينية والتربوية والعلمية والثقافية، ولا نستطيع أن نفصل الوعي عن واقع أي فرد ، وللوعي مستويات.

الوعي مرتبط باللغة وبفهم الإنسان للحياة (بعلم النفس)

ربما الشرع الديني طلب منا المسلمين ممارسة الوعي يوميا في فريضة ومستحب بقصد النية في الاداء يعني الوعي بما تفعل وبما تقول وحتى في داخلك حتى قيل نية المرء افضل من عمله.

الوعي يبدأ من فهمنا لذواتنا ولأدوارنا " من عرف نفسه عرف ربه" عبارة نقلت عن امام المتقين عليه السلام لكن منها يبدأ الوعي مرحلة أولى معرفة النفس ونمارس السلوك بفهم حتى نصل إلى الفهم والاستيعاب الاكبر وهو معرفة الخالق التي هي الغاية الكبرى.

الوعي مرتبط بالأنا( الكبرى المتوسطة والصغرى)

كلما تواضع الإنسان بعلمه ومعارفه وتجاربه اصبح اقرب للوعي تعاظم الأنا الكبرى تبعد الفرد عن الوعي لشغله بذاته، الشكر الذاتي والإعجاب بالنفس يقلل الوعي وعي بالنفس ووعي بمن حولك وبالوعي بالمخلوقات والنعم، نلاحظ كثير من العلماء أصبحوا أكثر وعيًا بل تراجعوا عن معتقداتهم المتعالية بعد تجاربهم ومعارفهم في الحياة.

في ثقافتنا الاسلامية نقيس الوعي بما يحدده الشارع الإسلامي في الأحداث والتفاعل معها وليس شرطًا التفاعل الإيجابي، ولكن بالتفاعل السلبي أو النأي بالنفس.

الوعي عالم يصعب تحديد فهمه خصوصًا أنه مرتبط بالتطور العلمي وبعلم النفس وعلم الأعصاب، وثظهر كل يوم أبحاث ودراسات في علم الأعصاب التي لها علاقة بعلم النفس، وهذه الأبحاث تغير في فهمنا للوعي بل من قال إن للحيوانات ليس لهم وعي، أو لا تتفاعل للمتغيرات، وأصبحت مستجيبة لمن حولها وتعي ما يحدث، بل ربما حتى الجماد خصوصًا إذا وصلنا لمرحلة فهمنا الآية القرآنية (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)

والمعرفة التي لا تهذب السلوك، فهي مجرد معلومات يحملها الكائن البشري.  



سؤال من الدكتور غسان بو خمسين 

هل تمتلك الجمادات وعياً، وإذا كان تمتلك بأي صفة يكون؟

وماهو مفهوم  Panpsychism في الفلسفة؟


 الحسن: 

دعنا نصعد درجة بين الحيوان والجماد هناك النباتات .. هل لها وعيا خاصا بها! النباتيون (الذين يمتنعون عن أكل الحيوان) يقولون بأن النباتات لا تملك خاصية الشبكة العصبية مثل الحيوان وهذا مبررهم لأكل النباتات، ولكن العلم الحديث اختبر تلك المقولة لدى الأشجار ووجد بأن لديها وعيا خاصا بها، فهي تحس بالألم ولكنه بأتي متأخر جدا  أي بعد ساعة تقريبا، ولكن ليس بنفس الدرجة لدى الحيوان.. هنا نعود للجمادات قرأت مؤخرا دراسة علمية تقول بأن الكون يعالج نفسه من الاحتباس الحراري وهذا يقودنا لنفس السؤال هل الجمادات لديها وعيا خاصا بها.. أظن بما سبق أنه نعم لديها وعيا خاصا بها.  



الجبارة:

وسوال وردنا ع الخاص من السيد عادل الحسين 


هل المعرفة تخلق وعيا؟


الحسن:  

باختصار نعم.  


 ما هي درجة الوعي لدى إبليس؟


 الجبارة:  

وعي إبليس أوقعه في فخ الغرور. 

الحسن:  

إبليس رمز الشهوة لدى الإنسان لذا دخل على آدم من هذا الباب (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين).


عادل


تعليق السيد عادل الحسين


رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)



أليس تعليم الكتاب هو المعرفة وتعليم الحكمة هو الوعي



في رأيي المعرفة لا تخلق وعيا. إبليس يعد من العارفين الكبار، لكنه لم يكن واعيا بحقيقة العبادة بأن يعبد الله كما يريد الله وليس كما يريد هو. لذلك هو لم يكن واعيا قبل السجدة وقطعا هو غير واع يعد السجدة.


المسلم يعرف أن أكل مال اليتيم حرام لكنه لا يعي خطورته.


(الناس نيام وإذا ماتوا انتبهوا)


اختلاف درجة الوعي بين أبناء البيئة ذاتها 


كيف لشخصين يعيشان البيئة الثقافية نفسها، وينتميان لمجتمع واحد، ويتلقيان التعليم نفسه،  فيكون أحدهما واعيًا ويكون الآخر غير واعٍ؟ 


الجبارة:  

أعتقد أن (عُمق التأمل وقوة التركيز والذاكرة وسرعة البديهة "طبيعي" أن تختلف من شخص لآخر - ولكن

‏هنا سؤال: لماذا نختلف إذن ونحن بذات العقل والمنطق؟

‏نختلف نتيجة تفاوت المسافات التي تتمركز فيها العقول على أرضية التصورات في الواقع الاجتماعي الذي شكل منظومة الوعي واللاوعي


أفنان: 

أنا بظني، هناك قابليات ومؤهلات نفسية وطبائع تختلف من شخص لآخر حتى لو كانا في نفس البيئة يعيشون ويتلقون نفس مستوى التعليم، بل وحتى الطموح له دور في ذلك!


وفي الزاوية الأخرى، نقطة مهمة جدا قد تكون غيبية ويبينها أمير المؤمنين عليه السلام في حكمته القصيرة (من عَلِم بما يعلم، علّمه الله ما لا يعلم )، والوعي أليس الحفظ وسلامة الإدراك ونوع من المعرفة والعلم، فإن عمل بما يعلمه، فتح له ربه أبوابًا من العلم والمعرفة وزاد في وعيه.


الجبارة: 

الوعي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبيئة التي ينشأ فيها الإنسان، ويرتبط بالمجتمع وبالتحديات الجغرافية والمناخية وكل ما يمت للإنسان سواء بالتنشئة، وبالتحديات التي تطرأ عليه.  

فالوعي الذاتي مرتبط بالوعي الجماعي. ولا يمكن تغيير وعي الإنسان إلا من خلال تغيير الواقع الاجتماعي.


 الوعي والحواس 

ما طبيعة علاقة الوعي بالحواس؟ 


الجبارة: 


الحواس تستحث الوعي وتساهم في تشكيل المعارف والافكار وهناك مايعرف بالقوالب الذهنية، التي تتضمن ما يعرف بالحدوس.  


أفنان:

يُفهم من هذا الكلام أستاذنا أن الوعي أساسه ومرتكزه  الحواس فقط!


ألا توجد مكونات أخرى للوعي غير الحواس؟!


أفنان: 

للوعي مكونات أخرى على ضوئها يتشكل الوعي بشكل تراكمي، ليست الحواس فقط!

منها الحدس والخيال والإحساس والضمير والنظم الاجتماعية والمبادئ والظروف التي يمر بها الإنسان، والمعرفة. كلها تشكل مكونات للوعي!


الحسن: 

هناك مقولة فلسفية مفادها ( من فقد حسا فقد علما) تخيل لو أن إنسانًا فقد بصره وسمعه منذ الولادة كيف سيتشكل لديه الوعي بالعالم الخارجي؟ سيكون لديه وعي ولكنه وعي ناقص أو غير مطابق للواقع.


زكريا:  

إبداع ناقصي الحواس كالمعري وبيتهوفن وبشار بن برد القائل (أعمى يقود بصيرًا .. !!) وغيرهم- أكثر من مستكملي الحواس، ألا يجعلنا نشكك في قيمة الحواس؟! بمعنى لو كانت الحواس هي القيمة العليا في الوعي وصاحبة التأثير الأكبر لكان يفترض أن يكون فاقد الحاسة أقل إبداعًا من غيره ولاستحال منطقيّْا أن يكون أكثر إبداعًا.

وماذا عن المعاقين الذين فاقوا مكتملي الحواس؟! أليست حالات تفوق منعدمي الحواس على سليمي الحواس مؤشرًا على أن الإرادة قد تكون أكثر أهمية من سلامة الحواس؟ أليست الحواس مجرد مواد خام تحركها الإدارة ومشاعر معينة مثل محبة الخير أو نصرة الأخلاق أو تعزيز عقيدة أو أيديولوجيا معينة، بحيث تبدو الحواس في نهاية الأمر مجرد خادم مطيع، فأنا أوجه حواسي باتجاه معرفة معينة لأنها مطلوبة عقديًّا أو أخلاقيًّا، أو لأنها مفيدة من جهة نفعية، ما يجعل هذه المقولة (من فقد حسا فقد علما) محل نظر فهي ليست المعيار الأهم في الوعي والمعرفة.


الحسن: 

نعم هناك معاقون أيقظوا العالم وزادوا وعيهم.. ولكن قد تكون إعاقتهم حركية على سبيل المثال مثل: "ستيفن هوكينج" فقد كان سليم العقل والنظر والسمع، لذلك أبدع في مجال الفيزياء، ولكن تخيل لو كان فاقدًا للنظر منذ صغره، فهل يستطيع أن يخرج بكل تلك النظريات العلمية الحديثة؟

هناك أيضًا "بيتهوفن" فقد سمعه بعد أن تقدم في السن، ولكنه أنتج أروع الموسيقى العالمية وهو فاقد للسمع، ولكن لو كان هذا الفقد منذ الولادة فهل سيبدع كما أبدع لاحقًا؟!



 نحن ووعي الآخر 


 هل من الممكن أن ننظر إلى الآخر على أنه غير واعٍ والآخر أيضٍا يرانا غير واعين؟ كيف تتصور الموضوع؟


الحسن: 

يجب أن نعرف أولًا أن الوعي يندرج تحت المفاهيم العقلية، والمفهوم بطبعه سائل متحرك بعكس الاصطلاح فهو صلب وشبه ثابت، ومن الطبيعي حين تكون المفاهيم متغيرة ينظر كل منا إلى الآخر بنظرة مغايرة، وذلك لاختلاف التنشئة التي نشأ عليها الإنسان. كما أن الوعي يقع تحت تأثير اليقظة والسبات، والاستثارة والاستجابة.. فالإنسان الذي يتعاطى مواد مخدرة على سبيل المثال كما قلت سابقا لديه وعي زائف، وعي مشوش لذلك تصدر أحكامه نتيجة التشويش العقلي في حين أن الإنسان المتحرر من تلك المواد تكون نظرته إلى الواقع أقرب وأصح.


 علاقة الوعي الذاتي بالوعي الجماعي: 


الوباري: 

هل الوعي الذاتي جزء من الوعي الجماعي(جزء من الوعي للبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الفرد)؟


أفنان: 

 أظن أن تعليق الوعي الذاتي على تغيير الواقع الاجتماعي، لا تسنده الوقائع والحقائق على أرض الواقع، الواعون هم من يغيرون الواقع الاجتماعي لا العكس!

فكثير ممن انتقلوا من ضفة التجهيل إلى ضفة الوعي، كان واقعهم بائسًا، وهم من غيروه بومضة من ومضات الوعي، ويحضر في ذهني - ونحن على مشارف أيام السبط - الأخوان اللذان كانا في معسكر ابن زياد وبومضة الوعي غيّرا واقعهما البائس لضفة الحسين عليه السلام، ولم ينتظرا الواقع الجمعي يتغير بل هما من بادرا بالتغيير.


فلماذا لا يكون الاثنان معًا صحيحين؟

فالوعي الفردي يمكن أن يشكل الوعي الاجتماعي إذا كان نابعا عبقريًّا ملهمًا، والوعي الاجتماعي ينعكس على وعي أفراده أيضًا. ولا تناقض بين القولين.



 الوعي والإرادة الحرة 


غسان:  

 ما طبيعة العلاقة بين الوعي والإرادة الحرة؟ 


أفنان: 

الإرادة المتدثرة بالوعي..

فكم من وعي ليس به إرادة، جعل صاحبه في أسفل سافلين!

وكم من وعي متلبس بإرادة فولاذية ارتفع إلى أعلى عليين، والتاريخ كثيرة شواهده والزمن المعاصر كذلك.


الحسن: 

أعتقد أن مشكلة الإنسان تكمن في التوازن. فالكبت مضر والإسراف مضر، ويحتاج الإنسان إلى تقوية الوعي، والعمل به، وإلا أصبح هلاكه أسرع وعمره أقصر لا محالة. 


 الوعي والقراءة 


 هل تخلق القراءة درجة من الوعي؟ 

لماذا من تزيد قراءاتهم واطلاعاتهم يدخلهم الشك في تشريعات السماء

وأحيانًا في وجود الله تعالى؟


الحسن: 


يظن الإنسان بأنه يتحرك وفق وعيه وعقله، ولكن في الحقيقة أن غرائزه وشهواته، وعواطفه هي المسيطر في كثير من مجالات الحياة لذلك قديما قالوا: (الشهوة تطير واللذة تركض، والعقل يمشي، لذلك دائما يصل متأخرًا)


الجبارة: 

ربما أتحدث عن الوعي من وجهة نظر إسلامية حسب معرفتي المتواضعة.

كثير من علماء العصر تحدثوا عن الوعي من ديكارت إلى برينتانو، ومعظم من تحدث عن الوعي مر بتجربة دينية كنسية، وهي تجربة النصوص الدينية.

مع الأسف معظم من تحدث عن الوعي من المسلمين في عصرنا الحالي تحدثوا نقلا عن علماء النفس وعن مفكرين الغرب، ولكن نادرا من تناول أصلّ الموضوع من وجهة دينية إسلامية، لأننا نعيش الحكم الإسلامي في عبادتنا وممارستنا اليومية حتى ما يهم صحتنا نتحدث عن أدوية وعلاجات يحللها الشرع أو يحرمها.

الوعي يفهم من خلال مدخلات الفرد الدينية والتربوية والعلمية والثقافية، ولا نستطيع أن نفصل الوعي عن واقع أي فرد وللوعي مستويات حسب العوامل التي ذكرت.

الوعي مرتبط باللغة وبفهم الإنسان للحياة (بعلم النفس)

ربما الشرع الديني طلب منا المسلمين ممارسة الوعي يوميًّا في فريضة ومستحب بقصد النية في الاداء يعني الوعي بما تفعل وبما تقول وحتى في داخلك حتى قيل نية المرء افضل من عمله.

الوعي يبدأ من فهمنا لذواتنا ولأدوارنا " من عرف نفسه عرف ربه" عبارة نقلت عن إمام المتقين عليه السلام، ولكن منها يبدأ الوعي مرحلة أولى معرفة النفس ونمارس السلوك بفهم حتى نصل إلى الفهم والاستيعاب الأكبر وهو معرفة الخالق التي هي الغاية الكبرى.

الوعي مرتبط بالأنا( الكبرى المتوسطة والصغرى)

وكلما تواضع الإنسان بعلمه ومعارفه وتجاربه أصبح أقربًا للوعي. وتعاظم الأنا الكبرى تبعد الفرد عن الوعي لشغله بذاته، والشكر الذاتي والإعجاب بالنفس يقلل الوعي وعي بالنفس ووعي بمن حولك وبالوعي بالمخلوقات والنعم، نلاحظ أن كثيرًا من العلماء أصبحوا أكثر وعيًا، بل تراجعوا عن معتقداتهم المتعالية بعد تجاربهم ومعارفهم في الحياة.

في ثقافتنا الإسلامية نقيس الوعي بما يحدده الشارع الإسلامي في الأحداث والتفاعل معها وليس شرطًا بالتفاعل الإيجابي، ولكن بالتفاعل السلبي أو النأي بالنفس.

الوعي عالم يصعب تحديد فهمه خصوصا أنه مرتبط بالتطور العلمي وبعلم النفس وعلم الأعصاب الذي يظهر كل يوم أبحاثًا ودراسات في علم الأعصاب التي لها علاقة بعلم النفس، وهذه الأبحاث تغير في فهمنا للوعي بل من قال ٱن للحيوانات ليس لها وعي، أو لا تتفاعل للمتغيرات أصبحت مستجيبة لمن حولها وتعي ما يحدث،بل ربما حتى الجماد خصوصا إذا وصلنا لمرحلة فهمنا الآية القرآنية (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)

ولما نحي الدين بعيدًا عن الإنسان وصلنا إلى التوحش ومفاهيم الشذوذ، والنسوية المتوحشة، وظواهر غير طبيعية أفرزت عندما أُقصي الدين وحصره في المسجد ودرو العبادة فقط، وأُبعد عن حركة الإنسان. ولذا لا سبيل لسعادة الإنسان إلا بالعودة للقيم الدينية.


أفنان: 

وأيضا إلى نوعية الكتب التي يقرأ، فكم من كتاب أطروحته ملغمة وتفتك، بطريقة لا يعيها إلا الفطن، وتكون مخلوطة بالسم والعسل.


ويبقى الوعي أيقونة تزين عقول الناس، وتميزهم بالحكمة، وتنعكس على سلوكهم بالرقي.  

فما أروعها حين تنطلق منها أجهزة التحكم الذاتية، وما أقدسها حين ترتبط بالحرص على رضا الله

الكادر الحسيني بين الإعداد والتنفيذ



رباب النمر، سهام البوشاجع


(من فعاليات ملتقى آراء وأصداء: الإداري المشرف:  أ. رباب النمر)


……… . 


"مساء الخدمة الحسينية .. مساء قناديل الضوء المسرجة في وجه الظلام لزرع جيل ولاء يتسم بالحب والإخلاص..  

مساء خلايا النحل النشيطة تنفض عن جفونها غبش الكسل لتصنع من حب الحسين عليه السلام قرص عسل يذوب في حبه العاشق المتيم 

مساؤكم ورد وود." 

أ. رباب النمر.  


  

هكذا بدات فعالية ( الكادر الحسيني بين الإعداد والتنفيذ)  في مجموعة ملتقى آراء وأصداء على صفحات واتساب، يوم الأربعاء 8 يونيو 2022م، 

حيث استهدفت الفعالية إجراء حوار حول الكوادر الحسينية مع خادمة الإمام الحسين عليه السلام الأستاذة لمياء عبد الله النمر( أم علي الحمود)، ومشرفة على مجموعة الأخوات الكوادر بحسينية الإمام الحجة عليه السلام بالخرس، في مسيرة خدمة حسينية امتدت إلى 42 عامًا. 


وكان من ضمن الحوار الدائر ما يلي:  


 ما معنى مصطلح الكادر؟ وهل له تقسيمات حسب المهمة الموكلة إليه لتنفيذها؟ 


جاء في مضمون رواية عن المعصوم عليه السلام"كلنا سفن النجاة، وسفينة جدي الحسين أسرع وأوسع". 

 يطلق لفظ  (كادر) اجتماعيًّا على من يكون ضمن (مجموعة عمل) يضعون خطة لعمل محدد أحيانا كجزء رئيس، وأحيانا تكميلي، وأحيانا مخطط أو منفذ، حسب نوع العمل وطريقته ومكانة هذا الكادر فكريا وثقافيا وبدنيا.


 وليس بالضرورة أن يكون الكادر الحسيني متواجدًا بشكل دائم في الحسينية، بل يمكن أن يكون في أي مكان ويساهم بما يستطيع أن يقدمه.

هناك من يلتحق بسفن النجاة ويرى أن خدمة الحسين عليه السلام هي الأسرع لأن الخدمة الحسينية لها طرق كثيرة، فقد ورد في الرواية "الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق" ولكن من يريد الوسيلة الأسرع والأوسع فسيجد أن خدمة الحسين عليه السلام أفضل الخيارات، وأقول ذلك عن تجربة.


وأذكر نفسي وأقول للجميع:  إن الله تعالى كما ينظر للناس وقت الحج ويختار الحجيج،  ينظر أيضًا لمحبي الحسين عليه السلام، ويختار من يوفق منهم للخدمة المباشرة وغير المباشرة، أو يكون تحت لائحة الانتظار.



 *من خلال عملك الطويل في الخدمة الحسينية، كيف يمكن استقطاب الناس لإلحاقهم بالخدمة الحسينية؟

 وما المواصفات اللازم توافرها في الكادر؟* 


الوضع لا يتطلب استقطابًا، إنما نعلن في المحفل: من يحب خدمة الحسين يتواصل معنا، وعندها يتوافدن،فنجلس معهن ونوضح لهن بعض الأمور، فإن أحببن الانضمام تم لهن ذلك.

 ولا يحتاج الناس لمحفز على الخدمة الحسينية، بل يحتاجون إلى دعوة، فيبادر البعض منهم بنفسه، وهم الذين يستمرون ويبقون.  


أما المواصفات المطلوبة في الكادر الحسيني للنساء بالذات: أن تكون حسنة الأخلاق، جيدة الالتزام،  

في المرحلة الثانوية فما فوق، قادرة على التواصل المباشر بالمجتمع، معروفة الأمانة، وجادة في مطلبها، وتتحمل المسئولية. 


 مرحلة الإعداد والتدريب مراحل قبلية لازمة قبل البدء في المهمة، فكيف تعملون على إعداد كوادر كفؤة ومخلصة؟ 


 أولى خطوات الإعداد والتهيئة هي الجلوس مع الأخوات والتعرف عليهن، ثم طرح عدة أسئلة، منها:  التعبير برأيهن عن خدمة الإمام الحسين عليه السلام، نعرف من خلالها مفهوم الخدمة لديهن. 


ثم نتحدث معهن بصراحة وشفافية عن متطلبات الخدمة في اللجنان التنفيذية أو الإعدادية وغيرها، ونتحدث معهن عن الالتزام بالخدمة والمتطلبات الأخرى، وأن هناك أمور يقمن بها في المجلس ربما لا يقمن  بها في منازلهن، ونتحدث عن بعض الأمور الاجتماعية غير الواجبة.  


فإذا كان لديهن استعداد ننتقل بهم إلى الإعداد الآخر، وهو التحدث عن قدراتهن ومواهبهن والأعمال التي يبدعن فيها، وهل سبق لهن الخدمة الحسينية سابقا أم لا. 

 وهكذا نتعرف على مهاراتهن للاستفادة منها في البرامج الإعدادية والتنفيذية والإنشادية وبقية مهام الحسينية.  

وقد قدمنا للأخوات في فترة سابقة دورات حوزوية في سيرة أهل البيت عليهم السلام، وفي الأخلاق، ولكن لم نستطع في الأوقات الحالية ذلك. 

 والآن نطلب منهن الالتحاق بمثل هذه الدورات مسبقا قبل الالتحاق بالخدمة الحسينية لدينا.  وهذا يطورهن، بل يجعلهن أفضل منا. 

ثم تبدأ مرحلة التدريب على الخدمة كالسقاية وما شابه لمدة أسبوع، فتتراجع من لا تتحمل وتبقى من تستطيع.  وتبقى نقطة مهمة وهي الاستمرار والإخلاص وهذا يعود للكادر نفسه.


 ما مدى استجابة الموهوبات والمشاهير والكفاءات في المجتمع لتسخير أقلامهن من أجل الخدمة العتروية؟ 


 السؤال ذو شجون، يصل بنا إلى مناطق مريحة وأحيانا يوصلنا إلى مناطق مؤلمة جدًّا جدًّا.

 ولا نريد أن ندخل في النوايا، فقد نراهن في الحوارات المجتمعية، وفي مواقع التواصل الاجتماعي يتضجرن من عدم إتاحة الفرص لهن في الخدمة الحسينية، ونحن نقول لهن:  لدينا رقم تواصل يربطنا بكن مباشرة.  فقط تواصلي معنا ونحن بالخدمة، ولكن البعض منهن لا يفهمن العمل الاجتماعي. فالنص في التلفاز يختلف عن النص الذي يعرض في الحسينية، فيجب أن تراعي الجوانب الولائية الإيمانية الذي يتضمنها اسم الحسين عليه السلام، فهن ما جئن إلا ليحسن ذواتهن وعلاقاتهن مع الآخرين، وهذه أهم المحاور التي جميل أن تتضمنها نصوصهن التي يقدمنها نثرًا أو شعرًا أو حتى كرسومات. البعض يفهمن ويتقبلن، والبعض لا. 


بعض المواهب تبدأ في الحسينية، وبعد قليل من الشهرة تنقلب علينا للأسف!  ولا نعرف الأسباب النفسية لذلك. 

والبعض منهن قبل الشهرة وبعدها لم يتغير فيهن شيء من الإيمان والالتزام، والبعض ينحسر وينحسر للخلف حتى أخلاقيًّا، وأنا أتحمل مسئولية هذا التصريح!!


ونحن نقول بين الحين والآخر:  نطرح المجال ونفتحه لمثل هؤلاء الأخوات، فنحن نعاني من نقص حاد من أمثالهن، وخصوصا في الجانب المسرحي، ولدينا القدرات النسائية الهجرية الرائعة لكن لا نجدهن حقيقة.  ولا نعني الجميع فما تزال هناك أسماء تقدم نفسها، ولكنها أسماء قليلة. 


 لا يخلو كل أمر من جانب سلبي وآخر إيجابي، فماذا عن إيجابيات الكوادر؟ 


إيجابيات الكوادر فيما يتعلق بهن شخصيا:  لدي أخوات وبنات عزيزات لم تنجبهن أمي ولم أنجبهن، أتعلم منهن فن العطاء والتضحية والتفاني والإخلاص، وهذا شيء نعتز به كثيرًا. 

وفيما يتعلق بالجانب العملي، فكلما حددت المهام وخصص لها لجنة إنجاز تكون أسرع وأدق في ظهور العمل بصورة أمثل وأجمل وأكمل.


 ما أثر الكادر على المجتمع وما أثر الخدمة عليهن؟

 

علاقة المجتمع مع الكادر تكون أقوى من علاقته بالمحاضرات والكادر الإداري، لأنهن يعددنه ممثلًا لهن، وهو جزء منهن ويرين فيه أحلامهن التي لم يستطعن أن يصلن إليها، فهن من يبتسمن لهن، ويقمن على خدمتهن ويقدمن لهن كل ما يردن. وكل خدمة تعتمد كعلاقة متبادلة بين طرفين، ويحدها حسن الأخلاق والمصلحة العامة، 

أما أثر الخدمة على الكادر نفسه فقد تختلف من شخصية إلى أخرى في التفاصيل، ولكن كمنظور عام سأسلط الضوء على مقولة لإحدى الأخوات وسأكتفي به، حيث كانت تقول: أثر الخدمة علينا "ينقينا"


 ما الطموحات التي تتطلع إليها الكوادر الشابة؟ 


هي كثيرة، لعل من أهمها أن  يعطيهن المركز الديني الثقافي العلمي(سواء كان مسجدًا أو حسينية) مساحة أوسع في التعبير عما يشغلهن ويؤرقهن، وإبداء وجهات نظرهن للمعالجة دون قيد أو شرط، 

وأن يكون هذا المركز الديني حلقة تواصل مع من يختلفن معه أو يرغبن في الاستزادة من علمه.


 ما العوائق التي تقف حائلًا أمام تحقيق طموحاتهن؟ 


 تنقسم العوائق إلى قسمين، قسم يتعلق بالشباب أنفسهم، وقسم يتعلق بالحسينية نفسها، فقد يكون العائق من صنع الإداري أو الكادر نفسه، وأحيانًا يكون خارج عن الطرفين، كالقوانين التي لا تسمح لترجمة هذا الإنجاز وظهوره للمجتمع.




 وجاء في ختام اللقاء:  


"ساعات مرت كمرور نسائم الربيع على قلب الفصول الأربعة، مزهرة بالولاء، معجونة بعشق الحسين عليه السلام، مطرزة بذوبان الخادم المخلص، متدفقة بشلال غزير من الخبرة الواعية والثمر الناضج .. 


وختمت الأمسية بتقديم الشكر الجزيل لرائدة من رائدات المجتمع الأحسائي ونخلة أصيلة من نخلات هجر بذلت عطاءها في سبيل عشق المحبوب، وعقصدت جدائل الهيام أعذاقًا وشماريخ تدلت بالرطب الطري الندي.  


نخلتنا الباسقة الأستاذة أم علي ( لمياء عبد الله النمر) "

 وقدمت إدارة ملتقى آراء وأصداء بطاقة العضو المتميز. للضيفة.

تهريب (تمرة الآباء) إلى سلة غذاء الأحفاد عبر جسر من (الصناعات التحويلية)



 منال الخليفة: الدمام

بين مجاراة المتطلبات الغذائية للجيل الحديث، واستهداف الفوائد الصحية لهم، ومعالجة فائض التمور الذي يكبد المزارعين خسائر اقتصادية بسبب غزارة الإنتاج وقلة الاستهلاك، نشأت فكرة مبتكرة فتحت الآفاق الاقتصادية لصناعات تحويلية منشأها التمر، تكللت بإنتاج أكثر من عشرين نوعًا غذائيًا، وكانت الأساس لمنتجات أخرى.

خرجت الفكرة المبتكرة من مصنع الأمين للتمور، وفريقه الذي يرأسه رجل الأعمال علي الياسين.

وكان لملتقى (آراء واصداء) لقاء حول هذه الفكرة المبتكرة مع الياسين بعنوان: “النخلة أفق اقتصادي”، بهدف التعريف بالصناعات التحويلية للنخلة بشكل عام، والتمر بشكل خاص.

دار الحوار في ثلاث محاور أهمها: التعريف بالصناعات التحويلية: وأهميتها الاقتصادية، الواقع والطموح والعوائق للصناعات التحويلية للتمور في الأحساء، الصناعات التحويلية في الأحساء مقارنة بالمستجدات في المناطق الأخرى: والتعريف بالفرص المتاحة.

وأدار الحوار الأستاذ حسين الغدير، وقدمت له القائدة منال الخليفة، بمقدمة حول التمر، جاء فيها: “هذه الثمرة تدلت عذوقًا من رمز العطاء وهي النخلة فهل يقتصر عطاء النخلة على ثمرها؟
أم أن عطاءها تجسد في أمور أبعد من ذلك، كما قيل فيها(خذ المرحلة بعراها ) ليتجاوز عطاء ظاهرها إلى باطنها حتى في أرداها (إذا بغيت الجذب في الوصيلي)
لذلك قيل ( ازرع في كل مكان نخلة ) لأن أفاق عطاءاتها مختلفة.

وبدأ الغدير إدارة دفة الحوار بمقدمة عن النخلة ومكانتها في الأحساء جاء فيها:

“تشكل النخلة هوية أحسائية للمنطقة وللإنسان الأحسائي في آنٍ واحد، وتعد الأحساء أكبر واحة في العالم، حيث دخلت موسوعة غنيس للأرقام القياسية في 8 أكتوبر 2020م كأكبر واحة نخيل في العالم، وتبلغ مساحتها حوالي 85.4 كلومتر مربع. تتوافر على أكثر من 2.5 مليون شجرة نخيل، تتغذى من طبقة مياه جوفية ضخمة ومروية من خلال تدفق أكثر من 280 بئرًا أرتوازيًا.

وتَمُرُّ النخلة الأحسائية ومنتجاتها بتحديات كبيرة تهدد وجودها تارة، وتارةً في مواجهة صعوبات مع مثيلاتها في تسويق منتجاتها في السوق المحلي والإقليمي.

إلا أن العديد من الآمال والطموحات التي تتمثل في تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالنخلة استندت على كتف مأمول فيه الخير يتمثل في ضيفنا لهذا اللقاء الأستاذ علي الياسين ليضعنا على الصورة الواضحة للحاضر والمأمول مستقبلاً، فأهلاً وسهلاً ومرحباً به محوراً لحوار شائق وهادف نستشرق به الصناعات التحويلية العائدة من النخلة الأحسائية العريقة.”

وبدأ رجل الأعمال علي الياسين حديثه عن الصناعات التحويلية وأول الإنتاج لها في مصنعهم، حيث بين أن المصنع الذي أسس عام ١٩٩٥م كان يعتمد على تعليب التمر الذي انتقل به من التعليب اليدوي ” چنز التمر” إلى الكبس اليدوي بآلة تشبه معصرة البرتقال، إلا أنها تستخدم قوالب مستطيلة الشكل، ثم تطورت الآلات من يدوية إلى آلات هيدروكلوريك، ثم انتقلت إلى الماكينات الألمانية، وصل الإنتاج اليومي من طن إلى ٥٠ طنًّا، لتنبثق نقطة التغير في المصنع والرغبة في الخروج من نقطة التسويق التقليدي التي تنتشر عند الجميع، إلى صناعة شيء مختلف.

وتبدأ الصناعات التحويلية في المصنع في عام ٢٠١٥م بإنتاج عجينة التمر، والبدء بمحاولات في إنتاج بودرة التمر التي تم إطلاقها عام ٢٠١٧م.

وكانت هذه البودرة منتجات التمر، هي البنية الرئيسة لعشرين منتجًا غذائيًا. مثل: العصيدة سريعة التحضير، وكيك التمر، والكيك سريع التحضير، والكوكيز الذي يعد بالمكرويف، والسينابون، والمعمول، والكورن فليكس، ومنتجات الكاكاو، وزبدة المكسرات، وأقراص التمر، ومستحضرات التجميل.
وقد تكونت شراكات مع شركات خليجية وعالمية لتكون بودرة التمر من مكونات المنتج الرئيس، وهذا ماساهم في تصدير بودرة التمر إلى دول الخارج.
وبذلك استطاع مصنع الأمين للتمور توفير المادة الخام التي كانت تنتج بمعدل ٤٠٠ كيلو فقط، لتصل الآن إلى ستة أطنان في اليوم، لتدعم الصناعات الغذائية التحويلية والصادرات الخارجية.

ويراهن الياسين على أن تكون الأحساء أكبر مصدر للسكر في السنوات المقبلة ولا سيما بعد حصول المنتج على ثلاث شهادات دولية، هي: شهادة الجودة الأمريكي الكوشر، وشهادة الصحة والدواء الأمريكية، وشهادة الإيبزو ٩٢٠٠، كما أنه انتهى من ٩٠٪؜ من اشتراطات هيئة الدواء والغذاء السعودية.

وعن سبب توفير بودرة التمر بهذه الكميات والفائدة الاقتصادية أكد الياسين على أهمية توحيد السعر للمنتج، وعدم تأثره بوفرة المادة أو ندرتها على مدار السنة ليكون التجفيف هو أفضل الطرق للحفاظ على ثبات السعر للمنتج.

كما بين الياسين أن الصناعات التحويلية ستساهم في الطلب أكثر على التمور ومخلفات النخلة، مما سيدعم المزارعين وسيعزز سعر التمر وقد يضاعف سعره، لأن استهلاك التمور يرتفع ويرتفع الطلب عليه، ولاسيما إذا دخلت شركات قوية كما هي سابك التي تدرس تصنيع الكحول الطبي من التمر، وعند هذا الانتقال سيكون هناك نقلة للمزارعين وللنخيل ومنتجاتها ومخلفاتها.

ووضح الياسين أن مخلفات النخلة الواحدة تصل إلى ٤٠ كيلو سنويًا، وهذا ما جعلهم حاليًا يبدؤون في دراسة عملية التدوير لها بتحويلها إلى حطب وفحم مكربن أو بليوت كخشب، أو تحويلها إلى كبسولات علف بعد طحنها وإضافة البروتينات عليها، وهذا ما بدؤوا فيه حاليًا، واستخدموه على نطاق شخصي ضيق حتى يحين التجهيز الجيد لإطلاقه لاحقًا.

وعن اختلاف النخلة في الأحساء عن مثيلاتها في المناطق الأخرى أوضح الياسين أن تعداد النخيل في الأحساء ثلاثة ملايين نخلة كواحة زراعية قديمة تعتمد على مياهها الارتوازية، وتعد حيازات صغيرة لأشخاص عشقوا النخلة لتكون مثل أبنائهم ولو استطاعوا لسجلوها في بطاقة العائلة،
ولكن القصيم ونجد يصل التعداد فيهما إلى ثمانية ملايين في الأولى وستة ملايين في الأخيرة كلها مشاريع تجارية لها أهداف لعائد مادي متى ما قل عن ما يجب الوصول إليه يتم اكإيقاف الراي، ويؤدي بالتالي إلى هلاك النخلة.
فما يميز الأحساء أن أصحاب النخلة بحيازتهم الخاصة لديهم استعداد أن ينفقوا عليها من جيوبهم الخاصة للحفاظ عليها، كما أنه يعتمد في تسميدها بروث البهائم مما يجعل النخلة أقرب للزراعة العضوية وما ينقصها سوى شهادة صحية لتأكيد ذلك.

وعن الواقع والطموح للصناعات التحويلية الخاصة بالتمور أشاد الياسين بمهرجان التمور الذي يعد فتيلًا للابتكار في المنتجات من الجميع، فقد باتت جميع المصانع تتنافس في المنتجات المعروضة بالمهرجان، والتي تفوقت بجدارة. ولكنها للاسف تبقى في الأحساء ولا تخرج خارجها بسبب ضعف الإعلام في تناولها، مع وجود الدعم من الدولة حيث افتتح المهرجان أمير منطقة الشرقية “سعود بن نايف بن عبدالعزيز ” الذي كانت له وقفات إلهامية سابقة للمصنع عندما قال في أحد المؤتمرات الاقتصادية ” اصنعوا لفئتين من الناس ستكسبون بعدها ” وهم فئة الأطفال والنساء

وأضاف الأمين بقوله: هذا ما ألهمنا كمصنع الأمين في إنتاج الاغذية الجاذبة للأطفال بفوائد صحية، وللنساء بالمنتجات التجميلية التي صنعت في فرنسا لأنهم أهل الاختصاص. وهذا ما أيده صاحب السمو وأشاد بالتعاون معهم للأخذ من خبرتهم، والاستفادة من مهارتهم ليسهم ذلك في تقوية المنتج ويعزز ثقة المستهلك.

واختتم اللقاء بتكريم الوجيه علي الياسين بشهادة شكر مقدمة من إدارة آراء وأصداء، كما تمت مفاجاته برسم لوحة بورتريه له مقدمة من الشاب التشكيلي أحمد عادل بوزيد.

الجدير بالذكر أن  الحوار تخلله استراحات بصرية أبدع في اقتناصها المحاور حسين الغدير إضافة إلى الوقفات الشعرية التي اقتنصتها الشاعرة والقاصة رباب النمر من إبداعات الشعراء في النخلة.

 

زواج مع وقف التنفيذ

 


(أم اسعيد) تبحث عن أسباب غامضة لنوم زوجها خارج غرفة الزوجية


تدور حكاية أم اسعيد حول بحثها الحثيث عن علاج لمشكلتها الزوجية مع ابو اسعيد الذي تغيّر عليها فجأة بعد مرور عشر سنوات سعيدة من الزواج ولم يعد يتحدث معها، اضطرت أم اسعيد  إلى طرق باب العرّافين ليخبرها أحدهم أن أحد الحاقدين دفن لها سحرا في الربع الخالي ليفرق بينها وبين الغالي أبو اسعيد ، لكنّ العرّاف عرف طريقه لجيب أم اسعيد فتركها خالية الجيب  ولم يجد لها حلاً يرمم علاقتها بزوجها ويريحها!

يممت أم اسعيد وجهها شطر  رجل الدين فأشبعها مواعظ وعبر عن فضل الصبر ما أجدتها نفعا، فاتجهت صوب مدربي الطاقة والتنمية الذاتية، وطبقت بالحذافير ما قالوه، وبدأت تتلمس التغيير عند أبو اسعيد، فبدل نومته في صالة المنزل صار ينام في المزرعة! وما زالت أم اسعيد تواصل البحث عن الجهة التي تساعدها في علاج مشكلتها، فتشاء الصدف أن ترى اعلان فعالية آراء وأصداء (زواج مع وقف التنفيذ) لجهة مختصة في علاج مثل هذه المشاكل، فهل يا ترى تنجح هذه الفعالية في وضع يدها على جرح أم اسعيد؟!

وهل وصلت أم اسعيد للوجهة الصحيحة لحل معضلتها؟!

تابعوا المزيد عن قصة أم اسعيد:

https://youtu.be/qAcQVhtRzRU

الهلال يحرّض على السؤال و ينفي "القلق" ويبرّر "الخطيئة"

 


رباب النمر، منال الخليفة:  الأحساء


يندر أن تجد مثقفا نخبويا من مجتمعنا يؤمن بالتواصل مع جميع شرائح المجتمع، وأندر من ذلك أن تجد نخبويا يطبّق ذلك التواصل فعليا، وذاك هو الكاتب الأستاذ أحمد الهلال، الذي استضافه  ملتقى  آراء وأصداء وفي فعالية فكرية مهمة تكشف عن جوانب من حياتنا الثقافية والفكرية، في أمسية كان عنوانها: (السؤال والخطيئة والمعنى) حاوره فيها الأستاذ الأكاديمي الدكتور يونس البدر  مقلبًا أطراف الحديث فيما يتصل بكتاب الهلال "خطيئة السؤال" 

وما تضمنه من أفكار حول أسباب (القلق) من المعرفة، وهل الدين جزء من هذا القلق؟ و كيف نشكك بطريقة صحيحة؟ و هل الصحيح أن تتنوع الإجابات والمعاني جرّاء سؤال واحد؟!


مقدمة تعريفية

وفي بداية الأمسية أشاد مدير الملتقى الكاتب زكريا العباّد بالدكتور يونس البدر لقبوله إدارة هذا الحوار عبر أمسية تحتفي ب(السؤال)، مشددا على ضرورة كسر العرف الثقافي الذي يرى أن مدير الحوار  أقلُّ أهمية من الضيف، في حين أنه صانع الأسئلة، وكثيرا ما تكون صناعة الأسئلة أكثر خطورة من الإجابات نفسها.


ومن جهته قدّر البدر لملتقى آراء وأصداء "هذا الحراك الثقافي الكبير الذي يقومون به والندوات الثرية التي يبتكرونها والضيوف المتميزين والمتألقين الذين يقدمونهم" 


 مسيرة صحافية وثقافية 

 ولفت الدكتور البدر إلى إنجازات وعطاءات ضيفه الذي تنوعت و تعددت روافده  فأوصلته إلى قبول التعدد، و ذكر جوانب مهمة من مسيرته:  

" فهو كاتبٌ ومؤلفٌ يُعَرِّفُ بشخصيته وثقافته كتابُه الذي نحن بصدد الحوار حوله "خطيئة السؤال"، 

و هو من مواليد عام 1396 هـ / 1976 م

في  مدينة الخفجي، و يقيم حاليًا في المملكة العربية السعودية / مدينة الأحساء

كاتب مقال أسبوعي في صفحة الرأي بجريدة اليوم السعودية من 2014 م إلى   2017 م.

كتب مقالًا أسبوعيًا في الملحق الثقافي لصحيفة أخبار الخليج البحرينية لمدة عام.

نشر العديد من المقالات في صحيفة الرأي الكويتية

كتب في الصفحة الأخيرة في مجلة الدوحة القطرية

نشر وكتب الكثير من المواد الثقافية في صحيفة الجزيرة السعودية ( المجلة الثقافية )

نشر وكتب في العديد من الدوريات والصحف السعودية.

وشارك في ورقة بعنوان "الفعل المؤسساتي لدى المثقف السعودي" في الأيام الثقافية العمانية السعودية في صالون فاطمة العليان في سلطة عمان.


 الخطيئة والسؤال:  

و عرّف الدكتور البدر بكتاب ضيفه (خطيئة السؤال) مبينا أنه " يقع في 370 صفحة ويضم بين دفتيه حوالى خمسة وثمانين مقالًا فكريًّا بين ما هو ديني ووطني وثقافي واجتماعي وأخلاقي، إلا أن الثيمة التي تجمع بين هذه الكوكبة من المقالات هو سطوة السؤال وهيمنته على مجمل الفكرة.. فلا تكاد تجد مقالًا الا وهو يبدأ بسؤال أو ينتهي بسؤال، ولا تجد بين السؤال والسؤال إلا بحثًا عن المعنى في وسط قلق معرفي عميق " 

ويضيف: 

" ونحن بصدد طرح هذا الموضوع نفكر في وضعنا الآني ونحن على مفترق الطرق و حاجتنا الماسة إلى انفتاح فكري يوازي ما نعيشه من انفتاح اجتماعي وفني واقتصادي وتحليق في فضاءات العولمة والحداثة.. إننا اليوم بأمس الحاجة لبلورة الموضوعات الرئيسة التي توصلنا إلى باحة الفكر الشاسعة ولن يكون ذلك متاحا إلا بتعزيز ثقافة السؤال واختبار جرأته وصراحته وضمان انفتاحه وحرّيته" 


 محاور الحوار 


ودارت رحى الحوار حول أربعة محاور: 

الأول: حول الأستاذ أحمد الهلال وتجربته. 

الثاني: حول السؤال ومتاهاته. 

الثالث: حول القلق المعرفي وتحدياته.  

الرابع: حول المعنى وتجلياته.

و انطلق الحوار ليسبر أغوار  المحاور مبتدئًا بتجربة الهلال في التأليف والظهور الإعلامي في اليوتيوب وعلاقته بالكتاب ومعارض الكتب محليا ودوليا.


 بين الكويت والأحساء والقاهرة! 

 ولدت في مدينة الخفجي وعشت فيها مراحل الشباب الأولى حتى ما بعد المراحل الدراسية، وانتقلت للسكن في الأحساء المدينة التي تنتمي إليها عائلتي في عام 2006م.  تجربتي الصحافية الأولى كانت في الكويت مع مجلة العصر الكويتية عام 2004م حيث عملت مراسلا للمجلة حتى عام 2008م وهي من التجارب التي أعتز بها كثيرا، وفي الوقت. نفسه الذي عملت فيه في مجلة العصر عملت كذلك مراسلا في الصحافة السعودية للجريدة الاقتصادية لكنها لم تستمر أكثر من سنة تقريبا. بعد ذلك تنقلت في صحف عديدة كاتبا ومراسلا من جريدة اليوم ، والجزيرة الثقافية والمجلة العربية إلى العديد من الصحف السعودية والخليجية، أذكر على سبيل المثال أخبار الخليج البحرينية، ومجلة الدوحة القطرية، ومجلة العربي الكويتية، أما بخصوص مؤلفاتي لدي كتاب خطيئة السؤال وكتاب لست من هذه الطائفة.

أما بخصوص الظهور الإعلامي عبر قناتي على اليوتيوب  "مسافة كلمة"  أعتقد بعد أن فقدت الصحافة الورقية حضورها ووهجها السابق، جعلني أختار المقال المرئي عبر الحديث في القناة  لأنه الأكثر وصولًا اليوم.


أما بخصوص علاقتي بمعارض الكتاب فأعتقد هي علاقة أي قارئ شغوف بالكتاب، زرت معارض كتب عربية  كثيرة ولكني أظن أن معرض القاهرة الدولي للكتاب هو رقم واحد بين المعارض لهذا أنا حريص سنويا على زيارته.      


 الأسئلة الظرفية والنزول من برج الفكرة 


-ما السؤال الذي يمثل هاجسًا بالنسبة إليك؟

 هل هو من قبيل أسئلة أفلاطون في محاوراته؟ أم أسئلة المقدم في برنامج حوار تلفزيوني؟ أم أسئلة المرء لنفسه في حديثه بينه وبين نفسه؟


طبعا الأسئلة لا تنتهي، ومع زيادة القراءة وتكثيفها تتولد أسئلة كثيرة، ولكن السؤال  الذي اكتشفته مع الوقت هو السؤال الظرفي والإجابة الظرفية، وبأنك أحيانًا تحتاج إلى تنحية الأسئلة العميقة التي تبدو أقرب إلى المثالية جانبًا، لأن الظرف لا يسمح بالإجابة عنها، لهذا تبدأ بالسؤال: في هذا الظرف ما الذي نحتاج إليه؟ وقد تكون إجابة هذه الأسئلة لا تلبي طموحاتنا العالية، ولكن الظرف يجبرنا على مثل هذا السؤال وهذه الإجابة، لأني على قناعة أن التطور الاجتماعي والثقافي في المجتمعات لا يسير بصورة متوازية مع عمق الفكرة وإلى أي درجة هي مثالية، بمعنى آخر نحن بحاجة أن نتنازل عن مثالياتنا أو نقلل من سقف الفكرة والأنموذج المقدم لأن الحل الموضوعي في غالب الأحيان يكمن في النزول من برج الفكرة العالي.      


 أنواع الشك: كيف تسأل؟ 


- أنت ترى أن للسؤال ثقافة؟ وللسؤال فوضى، متى يكون السؤال فوضى ومتى يكون ثقافة؟ متى يكون خطيئة ومتى يكون حسنة؟ 

ليس المهم أن تسأل ولكن كيف تسأل؟ والسؤال الذي أعنيه هو الشك، وتحديدًا الشك الممنهج الذي اشتغل عليه الفلاسفة والمفكرون عبر العصور، ودون هذا يكون السؤال أقرب إلى العمل الفوضوي وإن أحسنا الظن نقول غير الجاد، أو يكون سؤالا تقليديا انطباعيا، لهذا دائما يعتبر السؤال الذي يحمل إجابة ممنهجة خطيئة وخطرا يهدد القراءة الكلاسيكية للتراث.

  

كتبت مقالًا بعنوان فوضى السؤال بسبب أني وجدت الكثير من الذين أعرفهم أو بعض الشباب لديه أسئلة مطلقة دون أن يكون جادًا بالبحث عن أجوبة لها، وبعض أسئلته مناكفة مع من يختلف معهم. وكما يعبر محمد العلي الشك المطلق شلل في الفكر والإرادة، أما الشك الممنهج هو الذي يحمل شعلة التنوير والحضارة، وهذا ما جعلني أطرح عنوان فوضى السؤال حيث وجدت الكثير لا يفرق بين الشك المطلق والشك الممنهج.


 *اليقين و تعدد الأسئلة * 


- أيهما تفضل السؤال الصريح الواضح الذي يزعزع اليقينيات؟ أم السؤال المسالم الذي يسير مع التيار  ويحمل إجابته في نفسه؟

 

أولا السؤال فريضة، هو و العلم صنوان لا يفترقان كما يقول الإمام علي عليه السلام:  مفتاح العلم السؤال وهناك حديث صحيح يقول " إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون" هذه إجابة لسؤال لمن يرغب بإجابة كلاسيكية مأخوذة من التراث ومن النص الديني، ومن لا يرغب بإجابة مرجعيتها دينيه أدعوه لمراجعة الخارطة الحضارية والفكرية والدينية منذ وجد الإنسان على هذه الأرض، نجد التعدد في المعتقدات سواء كانت دينية أم وضعية بصورة قد لا نصل إلى مداها، أو نحتاج إلى وقت طويل حتى نحصي المعتقدات والأفكار التي مرت في حياة الإنسان، معنى ذلك أن تعدد الأسئلة والإجابات واقع عاشه الإنسان، وأظن أن لجميع هذه المعتقدات يقينياتها، إضافة أني لا أظن أن الإنسان يسأل لكي يهدم اليقينيات، الإنسان يسأل باحثًا عن الحقيقة واليقين.   

                                        

   سيبقى السؤال مفتوحا                                   

- وطالما أنه مصدر للقلق، هل سيبقى السؤال حبيسًا دائما داخل نفس السائل؟؟ 


السؤال سوف يبقى مفتوحًا حتى لو أنا وأنت تحفظنا عليه فغيرنا سوف يطرح أسئلته. 


 السؤال مفتاح العلم

 

- في تراثنا العربي والإسلامي هل صنعنا حضارة عظمى من السؤال ومن الحاجة لإجابات فلسفية؟ ما رأيك في المعتزلة مثلا وتساؤلاتهم؟

 

ينسب للإمام عليٍّ – عليه السَّلام – مقولة: «مفتاح العلم السُّؤال»، وإذا نظرنا إلى هذه المقولة نرى أنَّ العلم مقرون بالسُّؤال، فالعلم له باب ومفتاحه السُّؤال. ولكنْ أيُّ سؤال؟ لكلِّ سؤال فلسفة أو حكمة منه أو فيه، لأنَّ السُّؤال الَّذي لا يحمل حكمة أو فلسفة فهو نبتة ميتة ليس فيها حياة، وهذا السُّؤال لا يفتح للعلم بابًا، وقد لا يكون السُّؤال المعني في مقولة الإمام عليٍّ – عليه السَّلام -   ولأنَّ من فلسفة السُّؤال الشَّكَّ، وهنا يتولَّد سؤال هل الشَّكُّ لمجرَّد الشَّكِّ؟ أي هل علينا أن نفتح سؤال الشَّكِّ على مصراعيه؟ كما يذهب بعضنا منعًا للتَّضييق على السُّؤال، هنا نجد محمَّد العلي يضع معنيين للشَّكِّ، شكٌّ مطلق، وشكٌّ ممنهج يقول: «الشَّكُّ المطلق شلل في الفكر وفي الإرادة، أمَّا الشَّكُّ المنهجيُّ فهو الَّذي لا غنى عنه في كلِّ مجال من مجالات المعرفة الإنسانيَّة» وبعد هذا التَّفريق للعلي بين أنواع الشَّكِّ نجده في فقرة أخرى من مقاله يؤرِّخ لبداية الشَّكِّ المنهجيِّ في القرن الخامس قبل الميلاديِّ حيث يقول: «بدأ الشَّكُّ المنهجيُّ عند الفلاسفة السَّفسطائيِّين أي منذ القرن الخامس قبل الميلاد، واستخدمه بعض المفكِّرين الإسلاميِّين في عصور ازدهار الحضارة العربيَّة والإسلاميَّة إلى أن جاء ديكارت فأشرع أمامه كلَّ الأبواب». مع ذلك كانت الحضارة الإسلامية  في ذلك الزمن واعية لفلسفة السؤال، ومنهم المعتزلة.

 

 السجال العقيم 


- ترى أن القلق المعرفي مرض يعاني منه البعض. في حين يراه البعض وسيلة لاحتكار الحقيقة، متى يكون القلق المعرفي مرضًا برأيك؟


باختصار شديد المعرفة يجب أن تكون عنصر التقاء وتقارب بيني وبينك مهما كان اختلافنا في تأويلها، حينها تكون المعرفة قوَّة. دون ذلك سترانا نستخدم معول الحرب ظنًّا منَّا أنَّنا نحمي المعرفة، لذا ترى بعضنا ممَّن امتهن الثَّقافة لا يتوانى في تعبئة جميع مفردات الحرب، الَّتي لا تمتُّ لمفردات المعرفة الحقيقيَّة بأيِّ صلةٍ، ويخوض حربه على كافَّة الجبهات، وليس له هدف غير أن يسقط خصمه، إنَّها المعرفة الَّتي لا تتَّسع إلَّا له هو، إنَّه السِّجال العقيم، بل هو مكمن الخطر الحقيقيِّ على القيمة الحقيقيَّة للمعرفة، لأنَّه يدع التَّنافس في ميدان الفكر والبحث عن المعرفة إلى ميدان وَأْدِ المعرفة في المهد من خلال إسقاط محورها المتمثِّل في الإنسان، هل عقل صاحبنا حجم فعلته هذه؟ إنَّه الهدر كما سمَّاه الدُّكتور مصطفى حجازي، هدر الإنسان للإنسان. 



 المسلم و قلق المعرفة 

- لا شك أن السؤال يواجه رفضا دينيا واجتماعيا، ولا شك أيضا أن القلق المعرفي سبب رئيس لمثل هذا الخوف والرفض، هل ترى أن هناك أفق لخلق جو من التوافق بين السؤال والقلق من المعرفة وعليها؟


وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. 

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولً.


الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ. 

أظن هذه الآيات التي ذكرتها في الأعلى ترشدنا إلى أن لا نقلق من المعرفة ونحن نستمع أو نقرأ هذه الآيات ربما يوميا، وبالتالي يجب أن لا يكون المسلم قلقًا من المعرفة، إذا كانت هذه الآيات لم تجعلنا متصالحين مع المعرفة، لا يوجد حينها غير النظام والقانون. 


 *البعد الاجتماعي للمشاريع الفكرية* 


- تحدثنا قبل قليل عن خطورة السؤال عندما يكون زعزعة لليقينيات. فيما تعلم هل هناك مشروع فكري يمكن الحديث عنه حاول معالجة الموروث بطريقة لا تثير الجدل ولا تهدم اليقينيات؟

هناك عناوين مثل الوسطية والتوفيقية اللذين من ضمن من طرحوها المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في كتابه الفكر العربي وصراع الاضداد، ولكن هذه المصطلحات لم تعالج هذا الذي طرحته في سؤالك لأنها كانت دعوات أقرب إلى المثالية، أنا إلى حد ما لست ميالًا كثيرًا للمشاريع الفكرية في وضع الحلول دون أن تكون هذه المشاريع لها بعد اجتماعي، يجب أن يكون للمشروع الفكري بعد اجتماعي يشارك فيه أفراد المجتمع وبالتالي يكون تثقيفا اجتماعيا، دون ذلك في ظني سيكون المشروع محصورا في نطاق النخبة، أي البرج العاجي بعيدا عن المجتمع.  


-فهمت من مقالك "فوبيا السؤال" أن الجرأة في طرح السؤال هي الحل لمواجهة هذا القلق وأننا لكي نكون في سباق مع التاريخ فالأمر مرتبط باتساع مساحة السؤال، هل هذا الفهم صحيح؟ ألا ترى أن هناك حلول أخرى مباشرة وصريحة؟

أولا لا أعلم ماذا تقصد بالحلول المباشرة والصريحة، ولكن إن كانت هناك ثمة حلول صريحة ومباشرة تنافس مفتاح العلم كما عبر عن السؤال الإمام علي عليه السلام، لا أظن أن هناك عاقلا  يمانع إن وجد الحل.


 * قلق المعرف بين الفضلي والعلي * 

-كتجربة حية في محيطنا نجد بعض الفلاسفة والمفكرين الذين قد عاشوا حالة من القلق المعرفي وقد أدت لبعضهم أن يعيشوا عزلة اجتماعية تامة. المفكر محمد العلي والدكتور عبد الهادي الفضلي بصفتهما أنموذجا للمفكر التنويري الذي عاشا ربما غربة اجتماعية ونظرا لحضورهما في ثنايا مقالاتك في الكتاب، هل يمكن أن نناقش معك هذا الموضوع لتتحدث عن تجربتك الفكرية معهما؟


من حسن حظي أني أجريت أجمل حواراتي الصحافية مع الدكتور عبد الهادي الفضلي ومحمد العلي، حوار الدكتور الفضلي كان لمجلة العصر وحوار العلي كان لصحيفة الجزيرة، وأظن أن هناك قاسما مشتركا مهما يجمع الاثنين، فكلاهما ليس لديه قلق من المعرفة بتاتا، ففي عام 2005م زرت الدكتور الفضلي لتنسيق للحوار معه في مجلة العصر، وكنا نجلس في مكتبته الخاصة، وبعد أن قال لي أنه يقرأ لمحمد عابد الجابري ومحمد أركون الذي امتدح منهجيته في التأليف.

 أذكر أننا عرجنا في الحديث عن نصر حامد أبو زيد، حينها وجدته يعارض الإجراءات التي اتخذت في حقه من قبل المؤسسة الدينية في مصر من تكفيره وفصله من الجامعة وتطليقه من زوجته، قائلًا لي هذا غير مبرر ولم يكن له داعٍ، فالفكر يقابل  بالفكر، نصر حامد أبو زيد قال فكرته في مقابل فكرتنا، فلماذا كل هذه القسوة عليه؟ فنحن لسنا ضعفاء إلى هذه الدرجة.

برغم أنه لم يظهر أي اتفاق مع فكرة نصر حامد أبو زيد، ولكنه رأى أن من حقه أن يتبنى الفكرة التي يشاء حتى لو اختلف معه.

والكلام عينه ينطبق على محمد العلي فكثير ما سمعته يمتدح فكر الشهيد محمد باقر الصدر وغيره من المفكرين الإسلاميين، بل يستشهد بهم في مقالاته  مثنيا على أفكارهم، دون أن يجد في ذلك تناقضًا معه كمفكر حداثي ليبرالي أو يتحسس من أية فكرة إسلامية يراها ناهضه، أو يتخذ منهم موقفا لأنهم ليسوا حداثيين، لأنه يبحث عن الحكمة أيا كان قائلها.     


 لكل سؤال أكثر من إجابة

 

- برأيك هل يجب أن يكون لكل سؤال إجابة؟ ولكل كلام معنى؟ 

قد يكون لكل سؤال أكثر من إجابة، وبالتالي الكلام يجب أن يكون له معنى وإن لم نجد المعنى نذهب إلى التأويل الذي هو الوجه الآخر للمعنى أو المعنى بصوره المختلفة.


 رهاب التأويل 

- في مقالك "سجن المعنى" ترى أن العرب احتكروا الحقيقة بتطرف وتزمت  وتحجر، خوفًا من تأويلها وتفسيرها.. هل لك أن تذكر بعض صور رهاب التأويل وحالة التخلف التي نعيشها؟؟


 أعتقد أن الأمثلة أكثر من أن تحصى:  نصر حامد أبوزيد، محمد حسين فضل الله، وإذا أردت أن تقرأ عن هذا بإسهاب أقرأ كتاب الانسان المهدور لمصطفى حجازي.  نحن لدينا حالة هدر للمعرفة والإنسان محمد العلي -على سبيل المثال- لأن لديه آراء لا تتفق معنا نلغيه بالكامل.  

 

 مصدر الأفكار الدوغمائية 


- في مقالك "الذهنية" تحدثت عن الدوغمائية كعائق رئيس للمعرفة، برأيك ما هو مصدر الأفكار الدوغمائية؟ هل هي الدين أم العرف أم المجتمع أم السياسة؟ هل لك أن تفصل في هذه القضية الحرجة؟


لا أعتقد أن هناك إنسانًا ليس لديه مسلمات أوشيء من الدوغمائية، فالإنسان لا يمكن أن يعيش هكذا يسبح في الهواء دون مسلمات.  ولكن المشكلة حينما تكون الأصل في شخصيته هي الدوغمائية وإلغاء الآخر، الدين في رأيي بريء من كل هذا التعصب والدوغمائية فالنزعة الإنسانية واحترام الإنسان والتعدد حقيقة اعترف بها الإسلام، واعتقد في الآيات التي ذكرتها في إجابتي السابقة تبيان لذلك.

  

 حراكنا وصناعة الرأي 


- لا شك أن فوضى الأسئلة التي تظهر هنا وهناك سبب في ضياع بعض الشباب وتشتت أفكارهم وعجزهم عن الوصول إلى "رأي" أو "منهج" أو "يقين"، وقد تحدثت في مقالك عن ضرورة القيام بعملية شاملة لصناعة الرأي، هل يمكن أن نجد مثل هذه العملية في حراكنا الفكري؟ أم أن حراكنا مجرد جعجعة دون طحين؟


أظن الأزمة هي أخلاقية أكثر منها فكرية، بمعنى آخر: إن تعدد الأفكار موجود قديمًا قبل الميلاد، ولكن المشكلة في إدارة هذا الاختلاف والتنوع.

وبالتالي السؤال عن الحل هو أصعب شيء، و أسهل شيء في الوقت نفسه، لماذا؟

لأن الصعوبة تكمن بأن هناك تعقيدات ثقافية ونفسية وإيدلوجية ولدت حالة من عدم الثقة، وربما انسداد الأفق.

وأسهل شيء لأننا نستطيع ربما أن نُنَظِّر (من النظرية) لذلك بكل سهولة، ولكن أن يجد أثره في سلوكنا وخطابنا هنا تكمن المشكلة في نظري، فعلى سبيل المثال إذا استطعنا أن نعيد تقديم مصطلحي الحوار والتعارف على أنهما يعنيان  الشراكة مع الآخر، أي تفعيل القاسم المشترك، أظن حينها  نستطيع إيجاد بيئة صحية لحراكنا الفكري.

————————————


* جدير بالذكر أن الدكتور يونس حبيب البدر .حاصل على درجة الدكتوراة في النقد والأدب من كلية الآداب بجامعة الملك فيصل بالأحساء، ومهتم بجماليات السرد والسينما.


* وأمّا الضيف أحمد الهلال فمن الجدير بالذكر أنه شارك في عدد من الندوات الفكرية و منها ندوة بعنوان "هوية المثقف " وأخرى لتدشين كتابه "لست من هذه الطائفة" بمركز عبدالرحمن كانو الثقافي بالبحرين.


كما شارك بندوة المثقف الوطني ومعالجة الاختلاف في منتدى الثلاثاء الثقافي في القطيف، وندوة الخطاب الثقافي ونمو الجهل بديوانية آل هويدي.

بمناسبة شهر الصيام.. بو خمسين يوصي بمراجعة الأطباء بخصوص جرعات الدواء


 رباب حسين النمر: الأحساء

ضمن سلسلة فعالياته وأنشطته الثقافية، استضاف ملتقى آراء وأصداء د.غسان بو خمسين صيدلي أول بمستشفى جونز هوبكنز في أمسية صحية عنوانها (أدويتك في رمضان)، من إعداد وتنسيق أ. رباب النمر، يدير حوارها د. هود العمراني.

وبدأت الأمسية بمقدمة شائقة حول تاريخ الصيدلة عند العرب، قال فيها: (كانت الصيدليات تنتشر في بغداد قبل ألف ومائة سنة، وكان الصيادلة في مطلع القرن التاسع أصحاب حرفة مستقلة يديرون صيدلياتهم معتمدين على مهاراتهم في تركيب الأدوية وتخزينها وحفظها، وكان ديوان الحسبة يفحص دقة الأوزان والمقاييس ونقاء الأدوية ومدة الصلاحية) ليصل في نهاية مقدمته إلى تنبيه (عندما تبتلع كبسولة الدواء اليوم تذكر أن رائدها والمبشر بها كان عربيا قبل ألف سنة).

وقد دارت رحى الأمسية الصحية حول عدة محاور تتناول تثقيف المريض بتناول الدواء، ولا سيما في شهر رمضان المبارك، من أبرزها:
1- أهداف شركات الأدوية وسلوكها، ودرو هيئة الغذاء والدواء الاحترافي في الرقابة والتيقظ الدوائي.
2-الفرق بين الأدوية والمكملات الغذائية.
3- الفرق بين الدواء الأصلي والمكافئ، والاسم العلمي والتجاري للدواء.
4- الطرق المستخدمة لإعطاء الأدوية، والأدوات المساعدة على حفظها.
4- تاريخ انتهاء صلاحية الدواء.
6- الطريقة الصحيحة للتخلص من الدواء منتهي الصلاحية أو الفائض عن الحاجة.
7- كيفية التغلب على مشكلة تعدد الأدوية، ومشكلة تداخل الأدوية مع بعضها البعض من جهة، ومع تناول الأعشاب من جهة أخرى.
8- وتأثير تناول الدواء على الحامل والمرضع.
9- تناول الأدوية خلال شهر رمضان المبارك، ولا سيما لمرضى السكري والضغط والصرع، والأمراض النفسية.

وقد أشار د. بو خمسين أثناء الأمسية إلى مجموعة من التوصيات،أهمها: ضرورة مراجعة جرعات الدواء مع الطبيب لمرضى السكر والضغط، وخطة توزيعها في حال الصيام خلال شهر رمضان المبارك.

* الحذر من استخدام المكملات الغذائية على إطلاقه، ولاسيما أنها غير مثبتة علميا، ويسهل الحصول عليها بصغطة زر في عالم التجارة الإلكترونية.

*ينبغي الحذر والانتباه من مسألة تداخل الأدوية وتشابهها، عن طريق فحص أسماء الأدوية وأشكالها وتصويرها بالجوال باستمرار، وإحضارها للطبيب والصيدلي في كل زيارة.
* ضرورة التثقيف بالطريقة الصحيحة لاستخدام الدواء في التناول لأول مرة مثل بخاخات الربو ولصقات القلب.
* ضرورة قراءة النشرة المصاحبة للدواء.
* ضرورة الاحتفاظ بالأدوية في عبواتها الأصلية، واستخدام الحافظات لتبريد الدواء أثناء رحلات السفر للأدوية الحساسة مثل الأنسولين.
* الانتباه لتاريخ صلاحية الدواء.
* استخدام معايير دقيقة لتحديد جرعات الدواء ولا سيما الأشربة والحقن، والابتعاد عن المعايير القديمة كملعقة الشاي أو ملعقة الطعام.
* اتباع الطريقة الصحيحة للتخلص من الأدوية منتهية الصلاحية أو الفائضة عن الحاجة، وهي وضعها في الحاوية الخضراء المخصصة لها، التي يمكن العثور عليها في المسشفيات والصيدليات.
* مراجعة الطبيب باستمرار للمرضى الذين تتعدد أدويتهم من أجل التخفيف من عبء الأدوية أو إيقافها أو التقليل منها.
* استشارة الطبيب لتناول أي دواء خلال فترتي الحمل والرضاعة.
*الحذر واستشارة الطبيب عند تناول الأدوية مع الأعشاب بسبب تعارضات فيما بينها قد تودي إلى مضاعفات خطيرة.

كما أجاب د. بو خمسين على أسئلة الجمهور ومداخلاتهم.

وفي نهاية الأمسية تقدم مدير الملتقى زكريا العباد بتقديم شهادات الشكر لضيف الأمسية د. غسان بو خمسين، ومدير الحوار د. هود العمراني، والقائمين عليها إداريا: أ. رباب النمر، وفنيا عضو الملتقى إبراهيم الرمضان.

الجدير بالذكر أن الدكتور غسان بو خمسين خريج كلية الصيدلة من جامعة الملك سعود عام 1996م، وصيدلي أول بمستشفى جونز هوبكنز بأرامكو الظهران، ومهتم بالتوعية الصحية للمجتمع. وقد صدر له كتاب بعنوان ( جولة في عالم الفيتامينات)، كما نشرت له عدة مقالات صحيحة وتوعوية في عدة مواقع.

الجمعة، 18 فبراير 2022

السوشیال میدیا والفجوة بین الأبناء والآباء!



سھام البوشاجع - 12 ینایر 2022 *المھندس الصالح:

 التیك توك والسناب شات تتحكم في الأبناء والآباء.

  الاضطھاد الاجتماعي یقلص فرص احتضان الابن من قبل ذویھ.

 من الواجبات الأخلاقیة على الأسر متابعة أصدقاء أبنائھم، ومرافقتھم في أنشطتھم المحببة.

*****

قدیماً عندما یدخل الأب إلى المنزل، یسكت الجمیع ویقفون احتراماً وھیبة لھ، وفي مرحلة لاحقة یقدم الأبناء قبلات الاحترام ثم یتسللون إلى غرفھم.

والیوم، دخل الأب والأم أو خرجا أو غابا فالجمیع عاكفٌ على جھازه!!

صورةٌ تؤكدُ وجود فجوة في الحوار والتواصل، یُخشَى من اتساعھا في ظل الغرق في وسائل التواصل الاجتماعي، والانغماس في أغوار العالم الذي تحول إلى قریة صغیرة في مقابل ھجرتنا عن الأقربین.

بھذه المقدمة افتتحت الأستاذة منال الخلیفة ( معلمة ومربیة وقائدة مدرسة ) اللقاء الذي نظمھ ملتقى "آراء وأصداء" في محاولة لردم ھذه الفجوة بین الأجیال، وكان ضیف اللقاء الكاتب: أمیر الصالح الذي كتب مقالات كثیرة عالج خلالھا قضایا اجتماعیة وسلوكیة عدیدة.

أدارت دفة الحوار الأستاذة سھام البو شاجع، واقفة على العدید من القضایا الاجتماعیة والتربویة، وسائل التواصل الاجتماعي وتأثیراتھا السلبیة والإیجابیة. كما في الحوار التالي:

الحالمون، والكادحون

ما طبیعة الحوار بین جیلي الآباء (الكادحین) والأبناء (الحالمین)، كما أطلقت علیھم في إحدى مقالاتك، في ظل الانفتاح والعولمة وتخطي حدود بعض العادات السابقة التي كان یمارسھا الآباء. وما ردود أفعال الأبناء حالیاً تجاھھا؟

- مع عالم الانفتاح وتسارع الطفرات ومعرفة الشباب لأیدولوجیات جدیدة ووسائل التواصل الحدیثة تولدت لدیھم مفاھیم جدیدة داخل المجتمع الواحد، وكلھا تصب في كیفیة اكتساب حقوقھم، وللأسف لم تركز على واجباتھم ومسؤولیاتھم، وھذا ما جعل عدداً كبیراً یعیش حالة انفصال عن الواقع، وانغماسھم في عالم الأحلام كعالم ھولیوود أو بولیوود وعالم الإنیمیشن، مما أوجد صدمة حضاریة جعلت من وسائل التواصل مثل التیك توك والسناب شات وغیرھا تتحكم في الأبناء والآباء.

أمام ھذه الصدمة الحضاریة ھناك خمسة خیارات أمام الأسر، تسلك أیھا ترتضیھ:

الخیار الأول: الاستغراق الطویل لاستیعاب الصدمة الحضاریة. الخیار الثاني: الانعزال والانھزام عن مسرح الحیاة.

الخیار الثالث: التصادم مع أبناء الجیل الجدید. ووصم كل التقنیات الحدیثة بالفتنة.

الخیار الرابع: الانقلاب والانخراط بشكل مفرط في العوالم الجدیدة بغثھا وسمینھا.

الخیار الخامس: الاستیعاب للواقع وھضمھ بعقلائیة، والتفاعل معھ بالتأثیر فیھ والتأثر بھ بناء على الاختیارات النافعة.

ھل تعتقد بأن الخیار الخامس موجود فعلاً الآن؟ وكم نسبة وجوده بین المجتمعات؟

- ھو موجود ونسمع عن قصص ناجحة لأسر كثیرة ولیس لدینا إحصاءات دقیقة لھا، في معظم الدول لدیھم عناصر وقصص النجاح ویغرسونھا في أبنائھم للوصول إلى النجاح، وھذا وجدناه في المجتمعات التي تغربت عن بلدانھا كالجالیات الھندیة أو المصریة لدیھا نسب نجاح أكثر مما لو كانت في بلدانھا الأصلیة. ومن ھنا یجب التركیز على ھذا الجانب لمعرفة ممیزاتھ الكثیرة.

السوشیال میدیا وجیل الأبناء

ينغمس الأبناء في وسائل التواصل الاجتماعیة المتعددة، ویتنقلون بینھا، فھل خلقت ھذه الوسائل جیلاً غامضاً في تصرفاتھ وردود أفعالھ حول ما یدور في مجتمعاتھ؟ وھل أثرت مشاھیر السوشیال میدیا على طریقة تفكیر النشء ومدى تقبلھ لقیم المجتمع ونبذھا بزعم الحریة؟

- حتما خلقت جیلاً منفصلاً عن الواقع، بل ووصل بعضھا إلى أن یكون جیلاً غبیاً كبعض الذین یطلون علینا في برنامج "التیك توك" بحركاتھم ومقاطعھم الساذجة، وھناك لقاءات صحافیة لكثیر من علماء النفس تحدثت عن ھذا الموضوع. فالواعون من الآباء ھم الذین یستغلون مثل ھذه البرامج

أو التطبیقات بذكاء في توجیھ الأبناء نحو الإیجابیات ولیس السلبیات. وأنصحكم برؤیة فیلم وثائقي بعنوان: The Social Dilemma

انفلات الشباب إلى الخارج

ماذا عن انفلات الشباب ولجوئھم للخارج ھرباً من المجتمع والأسرة العربیة نحو الحریة؟

- ھذا محور كبیر ولھ الكثیر من الحكایات والقصص، قد یكون من بینھا الاضطھاد الاجتماعي الذي یقلص الفرص في احتضان الابن من قبل ذویھ، وقد یكون فعلیاً لیس بمضطھد بالرغم من وجود ذلك في مجتمعات أخرى، ولكن في مجتمعاتنا ربما یتذرع الشباب بھذه الذریعة للخروج فقط إلى الخارج والھروب من المجتمعات ربما رغبة فقط للخروج إلیھا، والحدیث

في ھذا الأمر شائك لھ مختصوه الذین لھم مؤلفات كثیرة حولھ.

الأب ثم الأب ثم الأب

في بیوتنا الآباء مشغولون بالعمل، وربما الأم مشغولة بحیاة اجتماعیة "عملیة" أو "نسویة"، فیقصرون تجاه الآبناء، وربما ھذا الانشغال یطول جداً، في حین ینشغل الأبناء بمثل تلك القدوة التي لا تمثل بالمجتمع شیئاً.

- الأب الحریص ھو الذي یستفسر عن عالم أبنائھ الافتراضي، ولا یتركھم بین التقنیة وعالم "سیري" الذي یجیب لھم عن أي تساؤل یطرحونھ، والأب الناضج ھو من یستشعر الحوار بینھ وبین أبنائھ، وھناك أبواب كثیرة كاحتضانھ بین الحین والآخر مما یجعل الابن یحب العودة إلى ذلك الحضن، كذلك تفعیل المناسبات الاجتماعیة والدینیة وغیرھا من الأنشطة الترفیھیة الأخرى، فتكون أرضیة خصبة لجذب الأبناء، والمتابعة المكثفة والتخلي قلیلاً عن عالمھ لأجل أبنائھ وأسرتھ.

كذلك الأم یجب علیھا أن تتفرغ قلیلاً لاحتواء أسرتھا بالكامل. والتوازن مطلوب بین الاحتواء النفسي والفعلي لھم.

ومن الواجبات الأخلاقیة على الأسر متابعة أصدقاء أبنائھم، ومرافقتھم في كثیر من أنشطتھم المحببة كالذھاب إلى السینما أو المخیمات والرحلات الصیفیة وغیرھا لخلق جسور تواصل متینة بینھم.

القوانین المنزلیة

كیف یمكن لأبناء ھذا العصر المعروفین بالمزاجیة، والأكثر تعبیراً وحریة واستقلالیة بذواتھم أن یتقبلوا فكرة قوانین في المنزل الذي یعیشون فیھ؟

- أدوات العمل في كل مكان، ولا سیما الشركات. ولا بد من فرض القوانین لتكون إلزامیة في تسییر العمل بطریقة سلسلة وإیجابیة، حتى المنازل یجب مناقشة من فیھا على مستویات المعیشة من تكالیف ومصاریف مالیة للماء والكھرباء والأكل وغیرھا، ھذه المناقشات تصدر قرارات وقوانین یلتزم بھا الجمیع عن رضا وتشاور، ولیس أفضل من شھر رمضان الكریم في إرساء مثل ھذه القوانین كإعطاء كل وقت حقھ من عبادة وتنظیف وتنظیم حصص ثقافیة وغیرھا، كذلك توزیع الأدوار في طرق المعیشة كلھا تخلق جواً من القوانین المطلوبة والتي یجب أن یعتادھا الأبناء

لیحل النظام في حیاتھم وتتزن.

أبناؤنا وكھف الصمت

یدخل أبناؤنا في "حالة الصمت الكبیر" بمكوثھم الطویل أمام شاشات البلاي ستیشن وغیرھا من ألعاب إلكترونیة، ھل تخلق مثل ھذه الأجواء انفصالاً حواریاً بین الآباء والأبناء، وبینھم وبین أقرانھم في المجتمع خارج المنزل أو في المدرسة؟

- یؤرق ھذا الموضوع بعض المجتمعات الحضاریة في كل أرجاء العالم.

طرح البروفسور "إیثان مولك" من جامعة بنسلفانیا دراسة كاملة حول ھذا الموضوع وتطرقتُ في إحدى مقالاتي عن ظاھرة استحواذ الألعاب الإلكترونیة على الأطفال، ولا سیما لعبة "فورت نایت" التي تنمي ظاھرة العنف وتقبل الموت ببرود للأسف، ففي العام المنصرم فقط صرف ما یقابل 3 تریلیون و200 ملیار ساعة خلال شھر كوقت على ھذه اللعبة وھذا ما یعادل 450 مرة إنشاء وحدة سكنیة أو أكثر، ومن الطبیعي كلما كبر الابن یرید ساعات أطول لقضائھا أمام الألعاب الإلكترونیة. ولكن لابد من فرض ساعات معینة عند استخدام ھذه الألعاب كقوانین منزلیة، ویجب على الأبناء الموافقة بالتراضي على ھذه الشروط، وإلا سوف یلعبھا بعیداً عنك وبشروطھ ھو وأصدقائھ. وھناك الكثیر من الألعاب التي تنمي روح المھنیة أو الموھبة لدى الأبناء وتحاكي میولھم كالألعاب التي تھتم بتطویر المھن " كالجراحة والطب والبناء الثلاثي الأبعاد وغیرھا، وھي ألعاب وفي الوقت نفسھ تنمي مھارات خاصة لدیھم.

كورونا المنزلق الآمن

خلفت جائحة كورونا أزمات نفسیة واجتماعیة، وقصص اكتئاب خصوصاً بین الأبناء وقد لوحظ ھذا الأمر جلیا عند العودة المشروطة والمؤقتة إلى المدارس بین الأبناء الطلبة، فكیف یتجاوز الأبناء تبعات ھذه الأزمة؟ وما ھي النصائح التي تقدمھا لھم؟

- كورونا وقفة تصحیح في عالم السلوك، وبنظرة إیجابیة مع كل تبعات كورونا ولا سیما المالیة والاقتصادیة، إلا أن ھناك فرصة إیجابیة كبیرة لمراجعة الآباء والأبناء لوتیرة حیاتھم الیومیة، وفي معالجة علاقاتھم، والبدء في سؤالھم عن طموحاتھم وخططھم المستقبلیة وعن أصدقائھم. وقد كنت شخصیاً في بدایة الجائحة تائھا، إلا أنني عرفت كیف أرتب ھذه الظروف في تسخیر طاقات أبنائي ومواھبھم.

ذكرتم أنھ لا توجد إحصائیة للنمط الخامس، إذن كیف نعرف تأثیره التوعوي على المجتمع؟

- النمط الخامس كخیار ھو الأجدى، لأن الأسرة مبنیة على المحبة لا على الصراع. ولیس لدینا إحصاءات في ھذا الأمر، ولكنھ أمر ملموس وواضح، وھو ذو نتائج طیبة. نرى بعض الأبناء كوادر في كثیر من المجتمعات الطیبة الناجحة، ووقفنا على أسر كثیرة رأینا علاقتھم الطیبة بینھم وبین أبنائھم ومدى النجاحات التي حققت في مجتمعاتھم.

بین الھدف والغایة

-هل نحن بحاجة إلى إعادة صیاغة بعض مفاھیم التربیة مثل بر الوالدین والاحترام وطبیعة العلاقة داخل الأسرة الواحدة بین الزوج والزوجة وبین الأبناء ومفھوم السلطة الأبویة كذلك؟

- نحن بحاجة إلى التفریق بین الھدف والغایة، فالھدف تكوین الأسرة كمشروع ناجح بدءاً من الزواج الناجح وانتھاء بتربیة الأبناء التربیة الصحیحة، وبتخطیط سلیم كعدد أفراد وموارد مالیة وتكلفة تربیتھم ھذا من ناحیة مادیة، وكذلك كم من مجھود یحتاجون لصقلھم بشكل جید، ومن ھنا یعتمد على نظرة الأب إن كان ینظر لنفسھ أنھ ھو فقط رب الأسرة مادیاً وسلطویاً أو كصدیق وأخ وزمیل، تتغیر ھنا المفاھیم وتتبلور حسب ثقافة الأب ونضجھ، وأحیاناً یتدخل أصدقاء السوء لھدم ھذه المفاھیم، ولكن یعتمد ھذا على الذكاء العاطفي عند الأبوین في تسییر دفة نجاح العلاقات الأسریة.

سحر التواصل

لماذا تمیل فئة الشباب والشبات إلى الانفتاح الثقافي دون قاعدة صلبة من القیم الدینیة والأخلاقیة والاجتماعیة؟ ومن ھو المسؤول عن ذلك؟

- نعم سبب الفجوة ھو كلا الطرفین الأب والابن. إلا أن الأب أكثر رشداً وأكثر فھما للحیاة، وھو القائد والقدوة. لذا علیھ أن یبادر في أخذ زمام الأمور ویتبنى عدة أنشطة تجھض إقامة أي جدار عازل بینھ وبین أي فرد داخل أسرتھ. وأول تلكم المبادرات ھو التحسین المستمر في علاقتھ بشریكة حیاتھ. فالابن یرید قدوة ناجحة لا كلاماً منمقاً وفعلاً متناقضاً. ومن المفترض أن یكون الأب قدوة ناجحة لأبنائھ بالفعل والقول.

وھنا تكمن أھمیة التواصل، ففي عالم إدارة المشاریع تعطى مفردة الاتصال 90 %؜  من الأھمیة.

جدیر بالذكر أن المھندس أمیر الصالح شغوف بالعلوم الاجتماعیة والتربویة ومغرم بالتعرف على أنماط الحیاة الشخصیة والأسریة الناجحة، متمثلاً المقولة الشھیرة " لا تلعن الظلام، ولكن أشعل شمعة"، تثیره صناعة المحتوى الھابط وغیر المفید الذي تعج بھ وسائل التواصل الاجتماعي فیدفعھ ذلك لطرق أبواب مختلفة لإیجاد الحلول الأنجع في المشاركة لتوجیھ أبناء المجتمع باللین والحكمة.

ولكون رصیده العلمي ھندسیاً، كانت كتاباتھ تركز على طرح الحلول بعد تشخیص المشكلة، ولیس الانغماس في المشكلة والتفرج علیھا والاكتفاء بالدعاء بالھدایة.

الأربعاء، 11 ديسمبر 2019

حوار: الشيخ الأحمدي.. ثقافتنا الدينية ثقافة التقاطية

جهينة الإخبارية متابعة: سوزان الرمضان - فوزية زين الدين - إبراهيم 


انتقد الشيخ أحمد سلمان الأحمدي ما وصفه بالفهم الجامد للدين ”الذي يحصر العلاقة بالله في نواحي الصلاة والصوم والمحراب والإعتكاف“.
وقال ان هذا الفهم ابتلي به المسلمون منذ الدولة الأموية.
وقال إن الدين يبعث على الحركة والعلم والعمل ويغير الواقع وذلك على النقيض من الفهم الجامد.
وانتقد عدم مواكبة الخطاب المنبري في عصرنا الراهن للطرح الأكاديمي، قائلا ”لا يمكن لنا كأصحاب خطاب ديني أن نقدم شيء إذا كان ببننا بين وسائل التفكير الأكاديمي فجوة“.
وقال انه قُوبل بالرفض عندما انتقد في بعض محاضراته بعض روايات الوحي. وعن ردة فعله قال ”قلت لهم هذه ليست روايات أهل البيت“.
وأضاف ”مشكلتنا أن ثقافتنا الدينية ثقافة التقاطية مبنية على نتفٍ سمعت من هنا، وقرأت من هناك“.
”جهينة الاخبارية“ تعيد نشر الحوار الذي أجرته مجموعة ”آراء وأصداء“ الثقافية مع الشيخ الأحمدي، ونشر عبر وسائل التواصل الإجتماعي، فإلى نص الحوار:
ماهو دور العلوم الحديثة في نقد الدين، وإلغاء دور النقل التاريخي؟ 
لاشك أن التاريخ البشري الطويل فيه حلقات كثيرة ارتبطت بالأديان، بحيث لا تجد مكانا في الأرض إلا وفيه ذكر لدين من الأديان وتفصيل لهذا الدين، وكيف نشأ، وماذا حصل بين أتباعه، وما هي الأشياء المرتبطة بهذا الدين، والتاريخ تكفّل بنقل هذه الأمور.
لكن عندما نقول ”نقل تاريخي“ فالمراد هو النقل الشفوي الذي دُوّن فيما بعد.
العلوم الحديثة جاءت بوسائل إثباتية أخرى، ذكرت أن النقول التاريخية المدوّنة في الكتب لا يمكن التأكد من صحتها والقطعية بها، ولذلك بحثت عن سبل ووسائل أخرى لتقييم ما وصل في التاريخ. فلذلك نجد الآن أن وسائل إثبات التاريخ تعدّت مرحلة البحث في المصادر والكتب المختلفة إلى بحوث أخرى كالبحث في الآثار، أو المخطوطات، أو الجداريات، والأدوات المستعملة، وكلها أصبحت وسائل إثبات تاريخي.
ومن هنا نشأ أشبه بالجدلية بين وسيلة الإثبات التاريخي القديمة وهي الروايات الشفوية التي تناقلوها، وهذه الأدوات العملية الحديثة التي إما أن تثبت أو تنفي الروايات التاريخية، وهنا حصل اصطدام بين هذه الأدوات والدين.
والسبب في ذلك أن أصحاب هذا التوجه رفضوا أي طريق آخر للإثبات، أي قالوا ان هذه النقولات التاريخية الشفوية غير قابلة للتصديق لأنه لا يوجد دليل إثبات أو نفي فلا يمكن الإعتماد عليها، ويرون ان الروايات الدينية الموجودة نصوص نسلم بها ولكن لا يمكن الإعتماد عليها لإثبات الوقائع التاريخية، فأصبح لدينا روايتين للتاريخ دينية وعلمية، ولعل أفضل من جمع بين الإثنين فراس السواح في موسوعته ”الآثار الكاملة“ حيث كان يذكر المسألة التاريخية ما نقلته كتب التاريخ، والأديان، وما ثبت بالبحث الأركيولوجي، ثم يقارن بين الروايات الثلاث وبالفعل هذا الأمر خلق عدة إشكالات. 
هناك قلة في المصادر التاريخية، والباحث حول الحقائق التاريخية لا يجد سوى موارد قليلة للوصول لنتيجة واضحة نحو أي جانب من الدين، فما هو تعليقكم على ذلك؟ 
المصادر التاريخية ليست قليلة، إنما اطلاعنا هو القليل والضيق والمحدود، المصادر التاريخية كثيرة جدا ولكن نحن من حصرنا إطلاعنا في المصادر التاريخية الشرق أوسطية، فحتى التاريخ الإسلامي إذا أردنا أن نقرأه نذهب مباشرة للطبري وابن الأثير وبن كثير وغيرهم من المؤرخين، في حين أن هناك مصادر أخرى كثيرة مثلا لدينا مؤرخين من المغرب العربي أرّخو للإسلام في المغرب العربي ونقلوا ما جرى في المشرق العربي، ولدينا مؤرخين من أقصى الشرق وتاريخ إسلامي كتبه غير المسلمين، مثلا محمد بن جرير الطبري عاصره رجل اسمه ميخائيل الكبير وهو مسيحي سرياني كتب تاريخ منطقة الشرق الأوسط بنظرة سريانية وغيرها من المصادر، المشكلة هو أننا حصرنا وحدّدنا المصادر التاريخية ببضعة كتب معروفة، وإلا فالتاريخ الإسلامي مصادره كثيرة جدا جدا والمطبوع والمنتشر أقل بكثير مما هو مدوّن واقعا. 
هناك من يقول أن العلوم الحديثة والتجربية تؤسس لكل الأنظمة السياسية والأجتماعية والنفسية والأخلاقية، وبالتالي فإن الأنسان ليس بحاجة للدين، وإنما استخدمه لشعوره بالعجز أمام تغير أسرار الكون، فما هو ردكم على هذه الشبهة؟ 
هذا الكلام أولا يخالف الواقع وهو أن البشرية موجودة منذ آلاف السنين، وقضية الطفرة في العلوم الحديثة والتجريبية حدثت فقط منذ200 - 300 عام، فقبل هذا التاريخ كانت البشرية موجودة ولديها أنظمة سياسية ونفسية وأخلاقية ولم تكن مستندة للعلوم الحديثة، فمثلا الآن النظام الأمثل هو الديمقراطي وهو نظام يوناني موجود قبل العلوم الحديثة.
المنظومة الأخلاقية باعتراف مؤسسي الدولة الحديثة يقولون بأنها منظومة المسيح وأخلاقه ومستندها ديني، فإذن هذا الكلام لا واقع له، ومن الخطأ اختزال التاريخ البشري في 200 سنة، وحتى ما حصل خلالها من الثورة الفرنسية وما بعدها وليد تراكم تجارب البشر، وما وصل له البشر في السابق سواءً من الدين أو غيره، هذه الأمور يكذبها الواقع.
ثم من قال أن الأنظمة الحديثة أثبتت نجاحها وفاعليتها، يكفي الآن في ذروة التطور العلمي صارت الحربين العالميتين التي أبادت الملايين، أين الجانب الأخلاقي والإجتماعي وحقوق الإنسان؟
إلى الآن لاتزال حقوق الإنسان شعارات تطبق في بعض البقاع ولا تطبق في البعض الآخر. هذ الكلام مجرد من الواقع، ومن يقول غير هذا بعيد كل البعد عن العلوم والواقع البشري، وإلى الآن في يومنا هذا البحث العلمي والتجارب العلمية تقوم على المنطق الأرسطي أو من طوّر ما جاء به أرسطو. 
هل هذا يعني أن العلوم الحديثة ليس لها القدرة المطلقة لتحقيق الحياة الكاملة للإنسان في كافة الجوانب؟ 
الدين والعلوم الحديثة يتكاملان، الدين يدفع نحو اكتشاف العالم ومعرفة أسرار الكون وتدبير الإنسان لأمره في هذا الكون فيدفعه نحو البحث والعلم والفحص، ومشتقات كلمة العلم في القرآن كثيرة جدا، فالله من أمرنا أن نسير في الأرض ونكتشف وننظر في السماوات والأرض والجبال والأشجار، هذا هو الدافع.
ودور العلم الحديث يأتي فيما بعد، ففي البداية ترسيخ الإيمان المسبق بالله لأن العلم الحديث نتيجته الحتمية اليقين التجريبي بالله كما قال ذلك احد العلماء، قال أن ”العلم مثل الكأس إذا شربت منه وجدت الإله في قاعه“ فهنا حالة تكامل يعيشها الدين والعلم التجريبي، نعم هناك أشياء خارجة عن العلم التجريبي، العلوم الإنسانية، القضايا الإنسانية، لاعلاقة لها بالعلم التجريبي فمن الخطأ اعتبار العلم التجريبي هو أساس كل شيء في هذا العالم. 
هل نستطيع القول أن العلم والدين وجهين لعملة واحدة من معرفة الله والإيمان به وعبادته، وتطوير الإنسان في كافة المجالات، ليكون عقله ذو مستوى عالي من الفهم في مجال الدين وأركانه وعبادة الله والحياة في جوانبها المختلفة مما يجعله في حالة من التوازن في عمله ودوره في الحياة؟ 
نعم هذا إذا فهمنا الدين فهما حركيا، من أن الدين هو الأمر الذي يبعث على الحركة والعلم والعمل ويغير الواقع، ولدينا فهم آخر للدين وهو الفهم الجامد الذي يحصر العلاقة بالله في نواحي الصلاة والصوم والمحراب والإعتكاف وهو الفهم الذي ابتلي به المسلمون ولعل منشأه بني أمية إذا عدنا لتفاصيل هذه القضية التاريخية، ومن هنا بدأ المسلمون يبتلون بالجمود شيئا فشيئا إلى أن وصلنا إلى ماوصلنا إليه اليوم.
نعم هناك قراءة أخرى لبعض المستشرقين أوالغربيين الذين كتبوا فيما يتعلق بالشرق أن السبب في تخلّف المسلمين هو سيطرة الأشاعرة على الحالة العامة للإسلام، والسبب في ذلك أن الأشاعرة لا يقولون بالتحسين والتقبيح من جهة، ولا يقولون بأن الإنسان مختار، وتسبب ذلك في جمود الإنسان ”أنا ليس لي اختيار، ولا استطيع أن أدرك شيء إلا في حدود النص الديني“، فلذلك جعلوا الدين مجرد أمور مظهرية خارجية. قال هو مثّل: ”بخلاف المعتزلة الذين أعطوا مساحة أوسع للعقل بحيث اعتقدوا أن للعقل القدرة على التحسين والتقبيح واكتشاف الأسرار وأن الإنسان مختار وقادر على التغيير“، ولذلك في الفترات التي كان للمعتزلة له دور وثُنيت الوسادة لهم، تطورت الدولة الإسلامية، نعم نحن ملاحظتنا أن المعتزلة المراد منها العدلية - الأعم التي تشمل المعتزلة الفرقة المعروفة، والشيعة على اختلاف فرقها - وفعلا التاريخ يثبت هذا، الدول أوالفترات التي سيطرت فيها المعتزلة أو الشيعة فعلا حصلت طفرة علمية حقيقية عند المسلمين. 
هل يمكن القول أن مصادر المعرفة تتمثل في الحس والعقل والوحي؟ 
نعم هذه المصادر الثلاثة مهمة وأي نقص أو إلغاء في أحدها يؤدي إلى مشكلة في الواقع الإنساني، البعض قدّم العقل أو أعطى له مساحة على حساب الحس، أو قدّم الحس على حساب العقل أو الوحي - وهذا من الخلل، والمفروض على الانسان أن يعمل في هذه الطرق الثلاثة، وكل طريق له مساحته التي يتحرك فيها. 
ما مدى حاجة الناس لوجود النبي في حياتهم؟ 
إذا اردنا أن نعرّف النبوة بتعريف واضح بدون الدخول في التعقيدات المعروفة فنقول هي"نحو من الإرتباط الخاص بالله عز وجل، فالنبي هو الإنسان الذي يرتبط بالإله ارتباطا مباشرا وخاصا بحيث يصله التعليم بغير واسطة أحد من الناس، أما عن حاجة الناس للانبياء؟
فالقرآن صريح وواضح في هذه القضية وهو انه ليقوم الناس بالقسط، الانبياء جاءوا ليقيموا العدل والقسط بين الناس، هذا فيما يتعلق في العلاقة بين الانسان والانسان، وايضا جاءوا لترتيب العلاقة وتنظيمها بين الانسان وربه، ولا يظن أحد ان الامرين مختلفين، يعني ان قضية علاقة الانسان بالانسان تختلف عن علاقته بالله عز وجل، لا بل مترابطة ارتباطا وثيقا ويكفي في هذا ذكر مثالين، المثال الاول: اذا جئنا الى النظام السياسي بعد كل هذه التجربة البشرية الطويلة نجد مثل نعومي تشومسكي عندما يتحدث عن الانظمة التي صاغها العقل البشري يقول ”ان الواقع يثبت انها لم تقم العدل، وبالتالي يظهر ان عقولنا البشرية قاصرة على صياغة نظام عادل يضمن العدل للجميع“، وهذا الاعتراف هو عين ما نقوله نحن من ان البشر يحتاجون للانبياء لاقامة العدل.
المثال الثاني المنظومة الأخلاقية الآن، العلم الحديث اثبت ان جينات الإنسان أنانية، تدور حول المصلحة الشخصية للإنسان بتقريبٍ ذكروه في كتبهم ولعلنا لو رجعنا إلى كتاب ”الجين الأناني“ لريتشارد دوكينز نجد هذا الأمر، الكلام الذي نجده هنا هو ان هذه هي طبيعة الأنسان اذن هذا النظام الأخلاقي الموجود منذ بدء الخلقة من أين جاء، فلذلك كثير منهم أقرّ ان هذا النظام الأخلاقي نظام ديني رسخه الأنبياء منذ بدء البشرية، فالأنبياء نحتاجهم بقوه في تنظيم حياتنا، وعلاقاتنا سواءً مع الله عز وجل، او مع بقية البشر. 
لماذا يوجد لدى بعض الشباب القارىء صورة مشوشة حول موضوع النبوة والنبي؟ 
لا يوجد سبب واحد حول قضية تشوش صورة النبوة عند الشباب، عندنا أسباب كثيرة، أولها ان الشباب متشبع بالثقافة الشعبية للنبوة ولم يتأسس تأسيسا صحيحا في معرفة قضية النبوة والأنبياء، وحين جاء ليقرأ فإنه قرأ الإشكالات حول النبوة، ولم يقرأ الكتب التي تبني العقيدة في النبوة.
ثانياً؛ نفس الشباب الذي يقرأ في النبوة، قد يقرأ في كتب قديمة من ألف سنة، أو مثلا ثمانمئة سنه، ولم يلتفت إلى المقاربات الحديثة حول مسألة النبوة، فكما لدينا إشكالات حديثة حول النبوة، لدينا أيضا مقاربات وقراءات حديثة لقضية النبوة، ولايطلّع عليها.
أيضاً عندنا في مسألة فهم النبوة مدارس كثيرة، فقد يرد إشكال على مدرسة ولا يرد على بقية المدارس، هذا الشخص الذي يقرأ يظن أن هذه المدرسة التي قرأ لها هي النبوة هي الفهم الصحيح لمسألة النبوة، فلذلك تتشوش الصورة، في حين ان مسألة النبوة مسألة واسعه جدا، وما كتب فيها كثير جدا والمقاربات فيها دقيقة وعميقة. 
هل هناك أزمة ثقة بين الشباب والمتحدث باسم الدين عن النبوة؟ 
لا، القضية من عدة أطراف المشكلة الأولى عدم وجود مواكبة حقيقية من الخطاب المنبري أو على الأقل ضعف في المواكبة، لا زالت تطرح قضية النبوة بمقارباتها القديمة التي كانت قبل ألف سنة مثلا أو ثمانمئة سنة، والتي كانت موجهه إلى ما يناسب إشكالات ذلك الزمان وأطروحاته، هذه مشكلة موجودة بالفعل، لذلك مثلا من الذين انتبهوا لهذه المشكلة الشهيد مطهري والذي كتب في أصول الدين الخمسة اقرأ كتاب مطهري مثلا في بحث النبوة، واقرأ أي كتاب آخر تجد فارق كبير في طريقة الاستدلال، وعرض الأدلة، في لغة الكتاب، في نوع الإشكالات المثارة، فهذه عندنا مشكلة أولى.
المشكلة الثانية طغيان الثقافة الشعبية طغيان شديد في هده الجوانب، والتي قسم منها مأخوذ من التعليم المدرسي، اغلبنا تشبع بروايات السيرة التي تذكر في المدارس والتي تعلمها في المدارس وضخّت له ضخاً، فهذه مشكلة حقيقية موجودة وللأسف الآن تُبنى على هذه القضية البعض يذكرها على أنها مسلمات، انا في شهادة النبي ﷺ تعرضت لنقد بعض روايات الوحي، ولما نزلت من المنبر البعض اعترض قال ”ايش خليت“؟ قلت لهم هذه ليست روايات أهل البيت، هناك روايات للوحي أصح وأصرح ولا ترد عليها هذه الإشكالات هذه مشكله ثانية موجودة. 
هل تعتقد بوجود تضارب في فكر الشباب وفهمهم السليم للنبوة، مع عدم البحث والسؤال لكشف الحقيقة؟ 
هذه المشكلة موجودة فقط في الأوساط العربية، أما الأوساط الفارسية فيها حراك كبير جدا، فعلى سبيل المثال لا الحصر لو ذكرنا الان من الاحياء المعاصرين الشيخ مصباح اليزدي حيث يقوم بدور كبير جدا في هذه القضايا، سواءا ككتابة أو تأليف أو كمحاضرات في الجامعات أو كمقالات ونشريات مختلفة وهو دور جميل جدا يقوم به، الوسط العربي يعاني من جمود في هذا الجانب ونتمنى ان تتحرك فيه المياه ويكون فيه انتاج حقيقي. 
ماهو مفهوم الإنسان من خلال السيرة النبوية في جانب التسامح، والتعامل النبوي مع الإختلاف؟ 
بالعودة للسيرة النبوية الحقيقية أي بالقدر المتيقن من السيرة النبوية والتعاليم النبوية الصحيحة نجد أنه في بداية البعثة كان هناك ”خطاب إنساني“ نبوي واضح وصريح، ولعل هذا الخطاب هو أساس جمع الناس حول النبي ﷺ. النبي عندما حارب الظواهرالإجتماعية التي تمس الإنسان، كحربه مثلاً لقضية وأد البنات، لم يكن الكلام حول أن هذه البنت مسلمة أم لا، كان يعتبر أن هذا الأمر جريمة بحد ذاته، أو مثلاً عند تحدثه عن قضية الإستعباد وكيف يعاملون عبيدهم، أو عند حديثه عن المرأة وما يتعلق بها وظلمها في المجتمع الجاهلي، الخطاب النبوي هو خطاب إنساني بالدرجة الأولى، والتعاليم النبوية هي تعاليم إنسانية، نعم هذا في المقدار المتيقن من السيرة، هناك جزء من السيرة فيه ما يخالف هذا، وهو محل بحث ونقاش والظاهر أنه مما اختلقته الأقلام التي جاءت فيما بعد، ولكن لو نظرنا إلى الجو العام للسيرة، نجد أن النفس الإنساني حاضر بقوة.
ويكفينا في جانب التسامح أن ننظر في العهد المكي إلى الآيات القرآنية المكية، التي تعج بالتأصيل لقضية التسامح ﴿لكم دينكم ولي دين ﴿لا إكراه في الدين ﴿من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وأما في العهد المدني فأفضل ما يدل على التسامح هي وثيقة المدينة التيهي أول دستور كتب في الإسلام، طبعاً كلمة دستور ليست دقيقة لكن لنعبر عنها بنفس التعبير، هي وثيقة تعايش وتآلف وتسامح بين المختلفين، وأتمنى من كل إنسان يريد القراءة في سيرة النبي ﷺ أن يطلع عليها، التي اعتبرت اليهود أمة مع أمة الإسلام، اعتبرهم جزء من هذه الأمة، الذي يعتبر اليهود لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فعلاً هذه الوثيقة تبين لنا الإسلام الحقيقي الناصع النقي. 
لماذا يكون هناك فجوة بين تدين البعض وأخلاقه وإخفاقه في التسامح مع المختلف عنه فكرياً أو دينياً؟ 
أولاً لابد أن نطرح هذا السؤال، هل هذه الفجوة عالمية أم محلية فقط؟ يعني لو لاحظنا الآن في الوسط الشيعي مثلاً، نجد بعض المناطق أكثر تسامح من مناطق أخرى، فلو أخذت مثلاً شيعي من السعودية وشيعي من العراق وشيعي من لبنان وشيعي من إيران لوجدت أن هناك فارق في درجة التسامح، هذه المسألة مرتبطة بالوضع العام ”الوضع الاجتماعي“ وليست مرتبطة بالدين، بعض الأحيان الإنسان هو المتطرف، حتى لو شجع فريق كرة قدم سيتطرف لذلك تشاهد في الخليج مثلاً تحصل حتى جرائم قتل بسببها، المشكلة هنا أنها قضايا اجتماعية بالدرجة الأولى وسلوكيات نفسية طُبّقت على الدين، فالمشكلة ليست في الدين أو في التدين، المشكلة في التركيبة السيكلوجية للإنسان، لماذا مثلاً اللبناني متسامح مهما كان دينه أو طائفته بخلاف بعض الدول الأخرى متطرف مهما كان دينه أو مذهبه، هذه قضية عقل جمعي، وأرى أن معالجتها اجتماعية نفسية بالدرجة الأولى وليست قضية دينية، والآن لو نقارن بين السنة، نجد أن هناك فرق بين السني السعودي والسني المصري والسني المغربي، لماذا؟ السني هو السني ديناً، هنا تأتي القضية الإجتماعية والسيكلوجية والإجتماعية. 
وما هو العلاج لنشر فلسفة التسامح الكاملة عند الناس؟ 
القضية ليست قضية فكرية، ولا قضية علمية، هي قضية ”نفسية“ لابد من تهذيب نفس الناس، وهذا ما أشار إليه القرآن في أكثر من آية، قدم التزكية على التعليم ﴿ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، المطلوب تزكية الناس وتهذيبهم وتعليمهم فضائل الأخلاق، هذه هي المرحلة المفقودة في مجتمعنا، نحن نعطي على الدين مجموعة تعليمات، ولكن لا نعمل على قضية التزكية والتحلية والتأديب، هذا هو الدين الذي ينعكس على أرواح الناس وقلوبهم وأنفسهم، للأسف هناك نقطة فراغ كبيرة في خطابنا الديني.
نعم الركيزة الأولى في التدين هو طهارة النفس والباطن وصفاء القلب ونقاء الروح، هذا هو أصل الدين وأصل التدين، ومنشأ الإرتباط بالله والنبي ﷺ، ولذلك العلاقة مبنية على أمر طاهر وهي المحبة، علاقتنا بالله حب ﴿قل إن كنتم تحبون الله علاقتنا بالنبي صحب، علاقتنا بأهل البيت ع حب ومودة ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى من هنا بدأ النبي في تزكية الناس وتطهيرهم لأنه لايمكن أن يزرع تدين في أرض قاحلة جرداء أو أرض ملوثة أو أرض مريضة، وهذه المشكلة التي تجعل منا نتحدث عن التسامح ولكننا لا نطبقه على أرض الواقع، لأنه لدينا مشكلة داخلية ونفسية روحية قلبية. 
مداخلات الأعضاء: 
هل بمقدور خطاب المنبر الديني مواجهة هذه المتغيرات والاغراءات ويكون في منافسة مع ما يستورده الوسيط الرقمي بشكل جاذب صوت وصورة وبأساليب تجذب الشباب، نحن في تحدي دائم وأكبر من امكانيات خطاب المنبر بهذا العصر المخطط له والممنهج لتغيير أهداف يريدها من ابتكرها؟ 
هنا سنعود إلى مناقشة قضية المواكبة، والمواكبة لها شقين قد تكون في أصل تأسيس طالب العلم، وقد تكون في الخطاب الذي يقدمه طالب العلم، فمثلا في جانب التأسيس في السابق كان يكفي أي طالب علم الوصول إلى عمر عشر سنوات أن يدخل الحوزة عادي جدا ويبدع وهذا حصل، لكن الآن لا، لذلك الشهيد المطهري قبل 40 عام دعا إلى أن يكون طالب العلم أكاديميا وأن يتعامل بطرق التفكير الأكاديمي، وأدوات الجامعة لكي يستطيع أن يقدم شيء.
وأنا سمعت ذلك من بعض مراجع النجف أن من يستشير في دخول الحوزة يطلبون منه أن يدخل الجامعة قبل كل شيء، وأن يتحصل على شهادة جامعية لا تقل عن الماجستير ثم يأتي للحوزة، هنا لا يمكن نحن كأصحاب خطاب ديني أن نقدم شيء إذا كان عندنا بينونة وبعدوفجوة عن الأكاديمية ووسائل التفكير الأكاديمي، أيضا في جانب الخطاب، الوضع يكون أوضح، كل عصر له لفتة خاصة ووسائله الخطابية الخاصة هذه المسألة لعلها من أوضح الواضحات. 
ذكرتم شيخنا ان هناك إشكالية في معرفة الشباب حول موضوع النبوة والتي مصدرها المدارس العامة والتي تختلف عما هو موجود عند آل البيت، فما هو الحل المناسب حيث أن هذه المشكلة امتدت إلى أمور كثيرة بسبب السوشيال ميديا فنلاحظ الكثير من الأمور التي لا تتعارض مع منهج آل البيت  يتم التعامل معها على أنها مسلمات ويُبنى عليها الكثير من الجدل؟ 
الحل كما ذكرته ودائما ما أذكره وهو أننا نحتاج إلى تعليم ديني خاص بنا، يعني كما هو معمول في أوروبا، الشاب أو الطفل يدرس الصباح في المدارس العامة، وفي الليل أو العصر يدرس ساعة أو ساعتين في مدرسة دينية، أشبه ما يكون بالتعليم الموازي.
القضايا الدينية لا سيما في هذا العصر لا بد أن تكون مؤسسة تأسيسا صحيحا مرحليا تراكميا، بحيث تكون قوية، نحن مشكلتنا أن ثقافتنا الدينية ثقافة التقاطية مبنية على نتفٍ سمعت من هنا، وقرأت من هناك، ووصلت في رسالة من هناك. 
إذا كان الخطاب الانساني هو خطاب الانبياء ما المانع ان يستمر بأنبياء دون رسالة، بل قد تكون نبوة عرفان كما هي عند البوذية وغيرهم فهل يصح ان نقول ان النبوة التشريعية توقفت، اما النبوة العرفانية الانسانية مستمرة وهي ما نجدها لدى المصلحين ومن نسميهم بالانسان الكامل او الابدال او الكمل؟ 
نعم، أنا أشرت إلى أن هناك مدارس في تفسير النبوة والأنبياء، وهذه المدارس ضروري أن يطلع عليها الإنسان ويفهمها طبقالبعض المدارس، نعم كل مصلح هو نبي بهذا المعنى، لذلك حتى في أمريكا الآباء المؤسسون يطلقون عليهم أنبياء، نعم نحن اصطلحنا على النبوة في هذه القضية على أنها التي تستتبع تشريعا أو دينا جديدا أو شريعةً أو كتاباً في حين أنه كثير من علمائنا ما يتبنى هذه القراءة أن هناك مرتبة أدنى من النبوة، لكن هي تماثل النبوة في عدة جوانب والتي هي القراءة العرفانية كما أشرتم، وهناك أكثر من قراءة، المتكلمين لهم قراءة، والمتحدثين لهم قراءة، والفلاسفة لهم قراءة، والعرفانيين لهم قراءة، لدينا أكثر من قراءة، ومهم جدا أن يطّلع الإنسان على هذه القراءات المختلفة. 
كيف نفهم وضع المنافق في أيام الرسالة المحمدية، الا تعد حرب اقصائية تجاه المنافقين ومايترتب عليهم من احكام ومايترتب عن مقاطعتهم، وللأسف التطبيق الحالي عليهم فتجد انه في أي اختلاف يطلق على مجموعة او طائفة انهم منافقين، ألم يجعل مصطلح منافق شق داخل صفوف المسلمين؟ 
تعامل النبي صلى الله عليه واله مع المنافقين هو ملف من ملفات التسامح، النبي كان يعرف أن مجموعة من الناس أنهم كفارا ولا يؤمنون لابالله ولابه ولا بشيء، ولكن كان يسمح لهم بالصلاة معه ويخرجون معه في الجهاد ويجلسون معه ويعيشون كما يعيش أفضل مؤمن ومسلم بين الناس، ولم يعاقب أحدا منهم إلا إذا صدر منه ما يمس الأمن العام أو التوجه العام للدولة الإسلامية، نعم هل كان النبي ﷺ يطلق على أشخاص محددين أنهم منافقين؟ لا، كان يعطي العنوان العام، ويعطي صفاتهم، ثم لا يسمي هذا منافقلكي يجعل لهم خط عودة، لأنه إذا وضح ان فلان باسمه منافق لم نترك له مجال للتوبة والرجوع.
المشكلة إننا نريد من الحوزة ان تعطينا كل شيء، هذه هي المشكلة الأساسية، نحتاج ان نقدم مشروع واضح يبين ما للحوزة وما عليهاورجل الدين ماله وما عليه. نحن رجل الدين ندخله في كل شيء، ثم نقول إن رجل الدين يتدخل في كل شيء، من المهم جدا مثل الان في الحكومات والشركات معروف كل طرف ماهي صلاحياته، من المهم جدا أن رسم الخطوط والحدود لكل شخص او جهة في المجتمع، نحن هذه الخطوط غير مرسومة لدينا فعندنا تصور ان رجل الدين يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، والبعض يرى أن دور رجل الدين هو المحراب فقط، فتبدأ عملية الاصطدام في حين انه من البداية يجب أن تحدد صلاحيات كل طرف. 
ما هو نقدكم على التجربة النبوية لسروش؟ 
التجربة النبوية لعبدالكريم سروش هي بالاساس تطبيق لنظريته في القبض والبسط، فهي ثمرة من ثمرات هذه النظرية فالاولى أن نناقشه في القبض والبسط، ثم نأتي لمناقشته فيما يتعلق بتطبيقه لهذه النظرية على موضوع النبوة، وهذه النظرية نظريته في النبوة قد كتب فيها كثير من الأعلام مناقشات لأصل النظرية، أو ما استدل به في جزئيات هذه النظرية اوغيرها، ولعل من الأفضل أن يفرد بحث كامل لهذه النظرية لطول الكلام فيها. 
كيف يرى الشيخ مستقبل المنطقة من الناحية الثقافية والدينية؟ 
بالنسبة للمنطقة بشهادة كل من زارها من الخارج يرى أن قابلية الشباب والناس عالية جدا وحتى في المستوى الثقافي مرتفعة جدا مقارنة بالمجتمعات الأخرى، وهذا طبعا له أسبابه، وقابلية الرقي بالمجتمع موجودة وسهلة، المشكلة فقط في عدم وجود مشاريع ثقافية ودينية حقيقية، اذا اردنا ان نعبر بتعبير صريح وواضح ”كل شيء ماشي بالبركة“، وهذا خطير أمام وجود مشاريع أخرى موازية منظمة وقوية جدا وتستخدم آليات ممكن إلى عشرين سنة لن نستطيع أن نأتي بمثلها، لذلك واقعا نحن في مفترق طرق هذا ما استطيع قوله. 
ذكرتم حلا لمعالجة الفجوة الفكرية في الشباب انه بسبب تعليم المدارس، واقترحت التعليم الموازي فهل تجد ان امكانيات التعليم للموازي في الحوزات او المساجد او الحسينيات يستطيع مواكبة الانفجار الثقافي متعدد المصادر في ركن منزل لا يتحرك منه الشخص، فهل هناك مقترحا وتجربة نستطيع مواكبتها او مسايرتها وفق مجتمعنا؟ 
هذه القضية، قضية التعليم الموازي هي الأساس الذي يبنى عليه كل نشاط فيما بعد، في البداية نبدأ بالتعليم الموازي الذي يؤسس عليه الطالب، ولا ننفى ان هذا غير كافي لكن لابد أن تكون هذه البداية، اي جهود بدون تأسيس صحيح ستؤدي إلى مشكله، وفصّلت هذه المسألة في الليلة التاسعة من محرم بعنوان قواعد السلامة الفكرية. 
كيف استطعت الوصول الى الشباب والاقتراب من تفكيرهم في ظل اصبحت العمامة ورجل الدين بالنسبة للشباب اما مصدر خوف واختباء، او منطقة مواجهة وتحدي، لو تفضلتم بذكر موقف نستفيد من مسيرتكم؟ 
هناك شيء في حياتي البعض يراه ايجابي والبعض يراه سلبي، قد اكون حققت مكتسبات من هذا الشيء عند البعض، وقد اكون سقطت من اعين البعض بسببه، وهي محاولتي ان اعيش مع الشباب كما يعيشون، احاول قدر الامكان ان اعيش حياتهم لكي افهمها جيدا، فلذلك انا في حياتي اليومية لا التزم بكثير من البروتوكولات التي يلتزم بها رجال الدين سواء في المنطقة او خارجها، يعني تجاوزت كثيرا من هذه البروتوكولات، وفعلا عانيت الكثير لكن بحسب تشخيصي ارى انه الحل الامثل للشباب وفهمهم، وهذه نقطة مهمة قد نسعى لحل المشكلة، لكننا لا لم نفهم المشكلة. 
ماهي نصيحتكم لأصحاب الهم في معالجة المتناقضات وتزلزل القيم، وبالأخص المتبنين لمنحنى المثقف وليس رجل الدين حتى يكون قريب للشباب؟ 
لا بد لنا من مشروع مدروس ومخطط وواضح جدا، لتأسيس البناء القيمي لمجتمعنا، والحفاظ على قيمه، اما هذا العمل الفوضوي الذي نراه فلا فائدة منه، ان لم يكن عندنا مشروع واضح يتكاتف فيه الجميع، ويضعون فيه اليد باليد، وقبل هذا الجميع يحمل هذا الهم، لان كثير من أصحاب القرار وأصحاب الوجاهة والمنصب اصلا لا يحملون هذا الهم للأسف الشديد. 
الا ترون معي ان جوابكم هنا عام ولا يحل المشكلة؟ فمثلا: ما هو المشروع الذي تقترحونه، وما هي اهم آليات العمل فيه من اجل إنجاحه؟ 
المشروع الذي أتحدث عنه هو مشروع اجتماعي وليس مشروع فردي، فلا يمكن أن يكون الحل في يد شخص، سواء كان رجل دين او مثقف عنده عصا سحرية لحل كل هذه المشاكل، لا بد أن يكون هناك مشروع ناشىء أولا احساس جمعي بخطورة المرحلة وبخطورة المتغيرات الموجودة فيها.
وثانيا تصدي أصحاب الكفاءات والطاقات لتجهيز هذا الموضوع وتقديم مشروع كامل يمكن ان يعدل المسار، ويؤسس ويبين لطريق جديد، لذلك لا يمكن أن أقدم هذا المشروع ولا جنابكم ولا ثالث ولا رابع مثل هذه الأمور التي تمس المجتمع عامة لابد أن تكون القرارات جمعية، أقلها النخبة تكون مجمعة على هذا الشيء، لأن القضية قضية رأي عام وليست قضية فردية. طبعا قد يكون لكل شخص مشروعه الشخصي، وقد يكون المشروع الشخصي ناجح ومؤثر لكن تأثيره على نطاق ضيق لذلك لن يغير المجتمع، لكن سيغير أفراد، حديثنا عن مشروع يغير مجتمع بالكامل ويحصّن المجتمع. 
بخصوص التنشئة والدين وما يشاع عن التطرف وعلاقته بالتدين، نلاحظ اليوم إبعاد مواضيع معينة في المؤسسات التعليمية الدنيا فيما يتعلق بالمادة الدينية، لدرجة عدم اصدار مطابع رسمية، في مقابل الاعتماد على دروس التربية الاسرية، على اعتبار يكون التخصص فيالامور الدينية انطلاقا من المرحلة الجامعية، ما رأيكم في هذا التوجه الرسمي، وما مدى تأثيره على النشء، وعلاقته بالدين؟ 
في المغرب العربي أو في الشمال الافريقي التفتوا مبكرا إلى خطورة ان تدرس قراءة واحدة للدين، خصوصا مع وجود مجتمع غير متجانس، يعني مثلا في الشمال الأفريقي هناك سنة سلفية إباضية شيعة، وتدريس المجتمع قراءة واحدة هي مشكلة ستدخله في دوامة التطرف، خصوصا ان الدولة هي من تقوم بالتدريس، والمفروض انها على مسافة واحدة من الجميع.
الخيار الثاني ان تدرس كل القراءات كما حصل في بعض المواد التعليمية في تونس، وهذا ايضا امر صعب جدا لان المساحة المعطاة للتربية الدينية في المدارس صغيرة جدا تقريبا بمعدل ساعة او ساعتين في الاسبوع، او بالدقة هي ساعة ونصف اسبوعيا، لأن هناك ساعة نصف شهرية، فلذلك هم رأوا أن من الأفضل إلغاء التدريس الديني في الصفوف الدنيا، والاكتفاء بالقرآن والأخلاق وبعض الأحاديث بهذه المشكلة، وهو كتوجه دولة يعتبر جيد سيمنع أشياء كثيرة، وسيبعد المجتمع عن دوامة التطرف والتكفير والاختلاف، نعم دور كل فئة وطائفة ان تدرس اتباعها وهو عين ما دعوت له. 
يلاحظ عليكم الاهتمام بالرد على شبهات او انتقادات الدين التي تولدت عن العلوم الحديثة، فما هي أهمية هذا الحقل لعامة المجتمع؟ 
المجتمع الآن أصبح متعلم ونسبة الأكاديميين فيه عالية جدا، ولعل غالبية المجتمع الآن وبالأخص طبقة الكهول والشباب أغلبهم درس في الجامعة أكاديميا فلذلك الشبهات قريبة جدا منهم، وهم يلامسونها يوميا، وبحكم جلستي المطولة مع الشباب في نفس الدراسة تحصل لهم هذه الإشكالات، قد يدرس في اي مادة من العلوم المختلفة ويتبادر إلى ذهنه هذا الإشكال، او ذاك فالجواب على هذه الإشكالات لدفعها قبل ان تستحكم في اذهان شبابنا او أبنائنا. 
هل بإمكانك تسليط الضوء على كتابك ”وهم القراءة المنسية“ من ناحية منهجيته، والأسس التي قامت عليها أدلة النفي؟ 
هو في حقيقة الأمر مناقشة ومحاكمة لمقالات القراءة المنسية لمحسن كاديور، وقد اعتمدت على تفنيد أدلته لا تأسيسها، لأن القراءة السائدة هي الأصل، والقراءة المنسية التي جاء بها ويريد ان يثبت انها هي الأصل، فنفي اصالة تلك القراءة، يعطينا بالضرورة اصالة القراءةالاخرى هذا من جهة، ومن جهة أخرى اقمت الادلة على ان القراءة السائدة الان كانت موجودة وحاضرة منذ ايام المعصومين ، ولعلها بشارة للاخوة محسن كاديور علّق على كتابي، وفي الطبعة الثانية من كتابي سأناقش التعليقات التي اوردها. 
هناك مقولة لملا صدرا في كتابه ”مفاتيح الغيب“، وقد ذكرها سروش في كتابه بسط التجربة النبوية ”ان لله عباداً ليسوا بأنبياء تغبطهم النبوة“، ما رأيكم بها، وما تفسيركم لها؟! 
لا يوجد مانع من وجود أناس في أقوام أخرى أفضل من أنبياء متقدمين، هناك أكثر من رواية ودليل يدل على هذا المعنى، نعم سوبوس اخذها على اطلاقها وبنى عليها، وهو الذي لابد أن نناقشه في منهجه، قبل ان نناقشه في أدلته، كما ناقشت أنا محسن كاديوه، وكان خلافي معه منهجي بالدرجة الأولى. 
اذا كانت الأخلاق هي الركيزة في تقييم شخصية الأنسان فما هو دورنا مع أخلاق النبي محمد صل الله عليه واله وسلم، وكيف نترجمها في نظام حياتنا؟ 
أخلاق النبي ص هي جوهر الدين وأساسه، وهي التي مُدح فيها النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿وانك لعلى خلق عظيم، والدين او التدين الحقيقي يبدأ بالتخلق بهذا الخلق، فاتخاذ النبي ﷺ قدوة وأسوة والامر باتباعه بالدرجة الاولى قد نظر الى هذا الجانب، جانب المعاملات والاخلاق، نعم نحن نحتاج في مجتمعنا الى احياء هذا البعد الاخلاقي في الدين، وللاسف اصبح هو اضعف الابعاد في مقابل البعد العقدي والفقهي، لذا لابد لنا من التركيز عليه وتقويته واحيائه بالفعل، لاننا لانشكو من غياب الأخلاق النبوية في الجانب التطبيقي، بل نشكو من عدم قبول المجتمع لها، فالان الحلم في نظر الناس صار ضعف وجبن، والكرم النبوي سفاهة وتبذير، والايثار جنون، وهكذا نحن فعلا نعيش مفارقة اخلاقية خطيرة جدا. 
ما هو برأيك سبب تلك المفارقة الأخلاقية الخطيرة، هل يرجع للفهم القاصر للدين ام ان هناك سبب أخر؟ 
السبب في ذلك هو عدم توازن الخطاب الديني حيث نشهد تخمة في بعض مفاصله، وضعف شديد في بعض المفاصل الأخرى. 
كيف نفسر القيم الأخلاقية ويقابلها اللعن للمبتدعة، ولأصحاب الضلال وأيضا للمخالف من المذهب وجواز الغيبة وجواز اخذ المال من الكافر بعنوان الاستنقاذ وان عورة الكافر غير محترمة يعيش الفرد المسلم عدة آراء في الاسلام تارة اسلام يومن بالحب للجميع، وتارة اسلام يدعوك لموالاة المسلم المماثل لك، وتارة لمن هو اخ لك في المذهب فقط وفقط، والبقية من البشرية ماهم الا نسناس كما في الحديث نحن الناس وشيعتنا اشباه الناس والباقي نسناس؟ 
لابد ان نميز بين قطعيات الدين والاجتهادات الدينية ونظريات الدين، الامور الاخلاقية القيم الاخلاقية التي تحدثنا عنها هي قطعيات دينية ومن القضايا التي تُعلَم بالضرورة، اما المسائل التي ذكرتموها فهي اجتهادية، قد نتفق فيها وقد نختلف، لذلك حتى هذه المسائل بين المراجع محل اختلاف كبير جدا، فلا يمكن اعتبارها هي الدين والمذهب. 
كيف يتعامل الشيخ مع بعض التيارات المتصارعة في الوسط الشيعي نتيجة الاختلاف المنهجي او الاجتهادي، او الاختلاف في النتائج التاريخية او الدينية، او الاختلاف في التشخيص بين المراجع والتيارات التابعة لها، وبالاخص الاختلاف بين المرجعيات، وهل الاختلاف بين المراجع سبب في الاختلاف الكبير في الشارع الشيعي وتكون تيارات متضادة متصارعة احيانا، وهل للسياسة اسباب في ذلك ايضا؟ 
بعد التجربة لعلها تكون طويلة في هذا المجال، الذي أراه الأولى تجنيب مجتمعنا اي نحو من هذه الاختلافات، فقد لاحظنا اغلب الصراعات الموجودة في مجتمعنا هي مستوردة، يكون خلاف في العراق او ايران نستورد هذا الخلاف يطرح في المجتمع ثم تحتد القضية ويحل الشقاق، الافضل تجنيب المجتمع ذلك، ولاندخله في هذا الجانب والا هذه الامور ذاق المجتمع من ويلاتها الكثير، ولله الحمد قطعيات الدين وضرورياته لم نختلف فيها، عادة الاختلاف يكون في بعض التفاصيل ولايضر فيها الاختلاف، وحتى وان ضر الاختلاف فهو ضرر شخصي على الشخص لا الدين او سقوطه، وسقوط المذهب وغيرها من هذه الأمور. 
هل هناك تآكل لطبقة رجال الدين في مجتمعنا الصغير والكبير بسبب ارتفاع صوت النقاد من داخل وخارج الطبقة؟ 
ليس هناك تآكل لطبقة رجال الدين، بل لمن تزيّ بزيهم وهو في الواقع ليس كذلك، هذه الطبقة تتآكل وأرى أنه ايجابي جدا. 
قد يقول لكم قائل بأن عدم وجود المانع لا يعني بالضرورة تحقق هذا الامر، واما الروايات فليست ادلة واضحة للاختلاف في فهمهاوتفسيرها، فمثلا حديث: ”علماء أمتي افضل من انبياء بني اسرائيل“ ربما قيل ان المراد بالعلماء هم المعصومون من آل النبي صل الله عليه وآله، فما تعليقكم بارك الله في عطائكم؟ 
”اولا حديث علماء أمتي افضل من انبياء بني اسرائيل“ ليس بحديث، وليس له وجود اصلا، لكن تواجد روايات اخرى تتحدث عن اقوامافضل من الانبياء يكونون في اخر الزمان، وهذه الروايات بعضها موجود لدينا، وبعضها لدى العامة، فبهذا اللفظ مثل ”يغبطهم الانبياء“ غبطة الانبياء يقيناً ستكون عن مرتبة اعلى من مرتبتهم، لا مرتبة اقل، والا كيف يغبط الاعلى الادنى على مرتبته، فلا، الكلام مجموع الروايات قد يفضي الى هذه النتيجة، وهو وجود اناس في زمن متاخر، افضل من انبياء في زمن متقدم. 
هل هذا يعني أن الهجوم على الشخصيات الدينية التي نشهدها هذه الأيام هو في الغالب مصيبة أو خطأ؟ 
انا ضد الهجوم على الشخصيات، نعم مع مناقشة الأفكار وضربها لامانع من ذلك يبقى النقاش فكري، اما ضرب الشخصيات والتدخل في خصوصياتهم والسعي لتسقيطهم انا ضده، لذلك اذا كانت هذه الهجمات موجهة للذوات فانا ضدها، اما اذا كانت للافكار انا معها لا مانع، بالعكس هذا الحراك نحتاجه كثيرا. 
البعض يرى ان رداء القداسة من اهم عوامل التخلف والرجعية، ويطالب برفع القداسة عن كل شي بما في ذلك القرآن والنبي والنبوة بحجة انه لا شيء فوق النقد، وان الفكر الحر لا يتماشى مع القداسة لهذا الامر او ذاك، ما رأي سماحتكم في مثل هذا الطرح؟ 
لا يوجد شخص او جماعة او ايديولوجيا لا توجد عندها مقدسات، الجميع عنده مقدسات، والجميع يقدس اما أفكار او اشخاص، نعم الآنهم لديهم مشكلة مع المقدس الديني، هذه هي المشكلة الحقيقية، وإلا لا يوجد أحد لا توجد لديه مقدسات.